طفرة و مدرسة

د/أيوب الحمادي

ارتفع عدد الجامعات الألمانية الحكومية في خلال ٢٧ سنة الأخيرة ثلاثة أضعاف تقريباً عنما كانت عليه في ١٩٩٠ حتى أنه صار في كل ٥٩ كيلو متر في ألمانيا يوجد جامعة، حتى أن الكثير لا يحتاج أن يترك قريته أو مدينته الصغيرة من أجل الجامعة. فمن ٢٣٢ في عام ١٩٩٠ صار الحديث اليوم عن ٦١٩ جامعة بتصنيفتها المختلفة هذا مع العلم أن عدد السكان في ألمانيا لم يرتفع منذ ١٩٩٠ إلا بمقدار لا يتجاوز ٢ مليون نسمة عنما كانت عليه في نهاية ١٩٩٠. و بسبب الاهتمام بالتعليم و تسهيله فإن إحصائيات ملتقى الاقتصاد العالمي الآن مفهومة حيث وضعت ألمانيا كثاني بلد في العالم في عدد تخريج طلاب دكتوراه بعد أمريكا برغم عدم وجود جامعات خاصة هنا في ألمانيا و الجامعات التطبيقية الحكومية ليس عندهم حق في برامج دكتوراه. ألمانيا تنتج برغم تعقيدها للدكتوراه ٢٨ ألف دكتوراه سنويا بينما الهند بالمليار شخص و الجامعات الخاصة المنتشرة ٢٤ ألف دكتوراه . وبرغم أن الحكومة الألمانية قبل ٤ سنوات كانت تتحدث عن ٢٥ ألف دكتوراه سنوياً كهدف إلا أن الواقع فاق ذلك أي يعني ارتفاع كبير حصل. ومن باب المقارنة هنا أمريكا ٦٧ الف دكتوراه وبريطانيا ٢٥ ألف دكتوراه. المنطقة العربية جالسين يعصدوا و حتى لا يقولون نتحامل عليها بصراحة، احتمال انتجوا ٢٨ ألف ارجيلة مع المعسل، لكن لست متأكد.

أيضا استمرار المجتمع في الطليعة يعني إنفاق معرفي دون ادخار هنا أو تقشف. ألمانيا تعرف ذلك و تنتقد ذاتها أن ذلك غير كافي برغم أنها مقارنة مع دول الاتحاد الاوروبي في الطليعة فقد أنفقت من باب التوثيق في ٢٠١٣ ما يقارب من ٨٠ مليار يورو في الأبحاث والتطوير، أي نفقات سنة في هذا البند توازي مرتبات الشعب اليمني بجميع فصائله مع الاسماء الوهمية بكشوفات ٢٠١٤ لمدة ما يقارب ٢٩ سنة، و في عام ٢٠١٤ انفقت ألمانيا مايقارب ٨٤ مليار يورو و في٢٠١٥ ما يقارب من ٨٩ مليار يورو و كل سنة يرتفع الانفاق بما يقارب ٦,٤ في المائة أي الزيادة فقط عن كل سنة سابقة خمسة الى ستة مليار يورو للبحث العلمي و التطوير الصناعي وهذا ليس له دخل بنفقات البنية التحتية لذلك. والآن لكم أن تتخيلوا أن ثلثي الإنفاق في الأبحاث و التطوير من القطاع الخاص و الدولة فقط الثلث، و هذا هو سر استمرار قوة النظام الرأسمالي الاجتماعي في ألمانيا، و كلمات النظام الرأسمالي الاجتماعي و كيفيتها و فهمها تحتاج لها شرح بمقالة ثانية. لذا ايضاً مفهوم أن نجد ألمانيا من أحسن إلى أحسن في أي إتجاه. فمؤشرات الأداء و الابتكار التابع للاتحاد الأوروبي تصنف ألمانيا في مجموعة “قادة الابتكار” و في المنافسة العالمية حسب مؤشر المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يقارن بين عالم تنافسي من ١٤٠ دولة، ألمانيا و امر أمريكا و اليابان في الطليعة، و المؤشر لسنوات يقول أن هناك تحسن مستمر في القدرة التنافسية للألمان في مجال الابتكار. و في مجال النشرالعلمي حسب وعاء “ويب اوف سينس Web of Science ” لا يسبق الألمان في العالم إلا أمريكا هذا و الصناعة هنا تمنع نشر أي أبحاث مدعومة منها إلا بعد ١٠ سنوات. نتحدث عن أفضل الابحاث، التي يتم الاقتباس منها كمصادر ISI-Index. و في مجال الاختراعات لكل مليون شخص كمقياس كانت ألمانيا رقم واحد من عام ٢٠٠١ الى ٢٠١١ يتبعها اليابان و أمريكا ثم كوريا. و الفارق كبير عن اليابان و أمريكا و كوريا إلى عام ٢٠١١. بعد ٢٠١١ و رغم الإنفاق في ألمانيا ظلت تحافظ على مكانها، لكن الفجوة مع اليابان تقلصت فصارت رأس برأس مع الألمان كفرسي رهان. كوريا أيضا تقلص الفجوة بشكل سريع أما عن الصين في هذا المؤشر لا تكاد تذكر.

المهم و أنا جالس اخرج هذا المنشور القديم في صفحتي رحلت أفكاري إلى اليمن وأنا اتذكر ان بناء الأوطان يحتاج طفرة و مدرسة. الطفرة تصعق المجتمع حتى يتم فرمتته فكريا و المدرسة نظام تشغيل جديد لسلوك و قيم، وقتها سوف يتحرك المجتمع دون مشاريع صغيرة و دون تقزم أو ارتهان “كأمة يمنية واحدة” في الاتجاه الصح، وقتها سوف نتعلم و ننافس بابنائنا و سوف نبحث عن مؤشرات و مكانة اليمن بين الأمم لا ينقصها أرض أو ثروة أو بشر.

اترك رد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عمر الإنسان مستقبلا

د. أيوب الحمادي في عام ١٧٥٠ ميلادي كان متوسط عمر الإنسان في ...