الرئيسية / مقالات / أيوب الحمادي / البشر ترتقي بقوانينها

البشر ترتقي بقوانينها

د/أيوب المخلافي

تعرفون ماهو الفرق بيننا وبين الغرب؟ لو قلتم الصناعة سوف أقول هذه ليست صعبة لأن الفجوة الصناعية نقدر على تقليصها. لو قلتم العلم، أيضاً ليس هناك مشكلة فجامعاتهم مفتوحة لنا وعلومهم أيضاً و جنوب شرق آسيا استفاد من ذلك . طيب الثروات الطبيعية، أيضاً غير صحيح، لأن كل ذلك مكدس تحت أقدامنا، لكن لم نستفيد من ذلك؟ طيب هل الفرق الموقع الجغرافي، أيضاً لا فالعرب لهم موقع مع منافذ على بحار و محيطات العالم. طيب احتمال الكثافة السكانية و تقسيمها، أيضاً هذا غير صحيح فنحن شعوب شابة ولدينا طاقات كبيرة بينما أوروبا قارة عجوزة. طيب احترنا، أين الفرق و لماذا نحن في نهاية الأمم؟ السبب هو نحن، فالله يقول “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. طيب هل ممكن توضح ماتقصد؟

كم نحتاج من الوقت لنشرح، لكن من وجهة نظري سأبدأ منذ أن كنت صغيرا في اليمن، وأقارن لك أين الخلل فينا كعرب، بشكل مبسط للعامة والباقي عليك تكمل أنت و تستنبط ما تريد.

عندما كنت صغيرا في اليمن كنت أسمع في الاعلام و الدواوين و من خطبائنا كل جمعة و بعد كل صلاة و أساتذتنا في المدرسة بمناسبة وبدون مناسبة يفردون أكثر من نصف الخطبة أو الدرس أو النقاش لتوصيف الغرب “الكافر” بكل الأوصاف، التي قد تخطر على البال. كل ذلك شكل قناعات معينة عليهم لدي. كنت أريد الدراسة في مصر أو سوريا بعد الثانوية لذلك، لكن كتب الله أن أكون من ضمن المبتعثين من التعليم العالي إلى الغرب الكافر أي ألمانيا، ومن الأمم المتحدة إلى روسيا طب بشري فقلت ألمانيا أخف الضرر، لأن روسيا كفار عرابيد لا يؤمنون بشيء هكذا كان وقتنا و ما رسم المجتمع لنا. فرحت أنني سوف أنشر الفضيلة في ألمانيا، التي تعلمتها من صغري و أنقذ الغرب الكافر من تعاسة الحياة، التي يعيشون بها و أضمن الجنة برحمة الله و بصبري في دعوتي كما قال لى أصحابي ومن عرفني و قتها.

عشت في الغرب “الكافر” أكثر من نصف عمري إلى الآن، تعمقت فيها تجربتي و تأصلت خبرتي، ليس في العلوم الطبيعية، وإنما الانسانية، لكني لم استطيع ان أزرع هنا زهور ثقافتي و منهجي المحمولة على عاتقي من المنطقة العربية أي اليمن كما كنت أريد من أول ليلة و كما كنت أتصور و أقول كما كنت أتصور. و بدلا من ذلك عشعشت غاباتهم الكثيفة في شخصيتى بتعاليمهم الحديثة و أفكارهم النيرة، والتي تُترجم من كل حلقات مجتمعهم إلى سلوكيات عملية دون ابتذال أو تمثيل أو ّمن. و حتى لا أتهم أنني أحب الغرب او أنتقد في بيئتنا العربية دون تقديم حلول أو خلاصة ما نحن فيه و كيفية الخروج منه، فانا أحاول أن لا أطرح موضوعات الا لمراجعة الذات.

فمثلا في الغرب رأيت الطفل لا يتربى على شعارات الفضيلة و لا الأفضلية المطلقة كمبدأ ارفع رأسك أنت لك تاريخ عظيم أو انت من خير البشر كما تربيت و تعلمت أنا، لكنه بسلوكياته و أخلاقه يمتاز كثيرا عنا من دون مغالطة فكرية أو كلمات جوفاء، والتي تيقنت فيما بعد أن ليس لها أى أصل أو سند في ديننا. فالطفل هنا حر لا يكذب ولا يكره ولا يحقد و لا يخاف ولا يتملعن مثل حالنا عندما كنا مثلهم. في الغرب لا يحلم الطفل إلا أن يكون ناجحًا و فعالاً و سعيداً وفي أوطاننا نزرع الزعامة و ثقافة حمل السلاح و التسلط والطبقية والمناطقية والاستشهاد دون ذلك في أطفالنا مع كل نسمة هواء. و في الغرب لا يعملون أى تمييز مابين الطالب العربي و الغربي في التعامل أو حتى الرسوم في جامعتهم و مرافقهم، و فى أوطاننا لا يسمح الا لأبناء الوطن فقط في دخول الجامعات أم أبناء المقيمين ليس لهم إلا أن يكتفوا بما حصلوا أو ترك البلد كما هو حال الخليج العربي الغني بالمال. في الغرب رأيت الانسان لا يُعامل من قبل النظام على أساس جنسيته أو قوميته أو لونه أو دينه أو فقره أو غناه أو أسرته أو مكانتها بل على أساس آدميته قبل و بعد كل شئ. لذلك في دساتيرهم الكرامة الانسانية لاتمس و تحتها تمر كل القوانين وأقول كل القوانين .

في الغرب رأيت الانسان يحصل على حقوقه غير منقوصة كالرعاية الاجتماعية، حتى و إن كان يستغل النظام و يتملعن، أو يحصل على إقامة دائمة بعد المكوث عدة سنوات متواصلة حتى و لو دخل إلى هنا بأوراق مزورة أو حتى بدون أوراق إثبات الهوية أو هارب أو لاجئ انساني و ليس سياسي، بينما في بلادنا العربية والاسلامية و بالخصوص الخليج و المملكة يجدّد المقيم إقامته و لو مكث مئة سنة و لو هربنا نحن من الحرب عندهم وظلينا ٢٠٠ سنة فلن يكون لنا أي حق في الإقامة ونحن جيران وأسرة واحدة من بداية الخليقة . في الغرب لا يطرد من البلد من اشتغل ٥٦ شهرا لانه صار دافع ضرائب تعطيه الدولة حق الإقامة الدائمة حتى لو ظل بعدها على الرعاية الاجتماعية بقية حياته دون عمل، بينما في عالمنا قد يتم طرد مئات آلاف من إخواننا تحت قوانين مجحفة كما حصل في السابق، حتى وإن عملوا ٥٦ سنة و الغريب الإدعاء أننا إخوة في الدين والأرض و التاريخ المشترك بعد ذلك و سوف نجتمع في دينينا تحت راية واحدة بهكذا سلوك.

في الغرب تمارس كانسان سلفي أو اخوان أو كافر أو مرتد أو حتى جني حريتك في ممارسات معتقدك و تعيش بجانب غيرك مما ذكرت جار له باحترام، وفي أوطاننا أفكارنا و قلوبنا ضيقة لا ترغب بالنقاش مع كل جديد أو غريب حتى لا نقع في المحضور و يقام الحد لمن خالفنا و نقتل لمجرد الاختلاف المذهبي والمناطقي والسياسي ونبرر سلوكنا الشاذ ضد غيرنا. في الغرب لا يختزل دور المرأة في النكاح و الإنجاب وفرض الوصايا عليها في كل شيئ، و إنما هى نصف المجتمع بدون مغالاة و قيادة الدولة تحتهن تعمل بانسجام غريب. في الغرب تستطع الزواج ممن تريد حتى لو كانت بنت المستشارة الألمانية إن كان هناك توافق دون ان يقف القانون ضد هذه الرغبة، و يمكن أيضاً لو أنت فقير فتح بيت و الحفاظ على كرامتك مهما كان معتقدك حتى وإن كنت معدم، وتستطع تأثيث شقة يتحملها مكتب الرعاية الاجتماعية بما أنك قانوني أي دافع ضرائب من قبل وإقامتك ٥ سنوات قانونية، بينما في المملكة على سبيل الذكر كموطن الرسالة و فيها مقدساتنا و قبر نبينا ينتظر الانسان لمدة ٣ سنوات تقريبا.

اترك رد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

شجرة الأنساب تحت المجهر

حبيب سروري “يولد الناس أحراراً ومتساويين”، يقول “ميثاق حقوق الإنسان” الذي أقرّ ...