الرئيسية / تطوير الذات / شخصيات ملهمة / من اغتراب أمريكا إلى سجون المصريين في اليمن-السيد حسن النهام

من اغتراب أمريكا إلى سجون المصريين في اليمن-السيد حسن النهام

عرفه الناس بالسيد حسن علي النهام، واختصروها بالسيد حسن أو السيد النهام، لكن من اقترب منه عرفه بالسيد الإنسان، رحابة صدره وابتسامته وضحكته وتحمله للمزاح وبحثه عن الابتسامة والضحكة وحبه لمساعدة الآخرين هو ماعرفه الناس عنه.ء  بالنسبة لنا كأطفال وكأبناء أحد أصدقائه ربما أدركنا وشعرنا بوجوده بالثمانينات وهو يمشي من منزله بجوار المشروع إلى فندقه الكائن جوار قسم شرطة حوض الأشراف عندما لا تتوفر سيارته التويوتا المقفصة.

 

كان العم حسن قد أصبح ميسور الحال لكنه لم يكن يهرب أو ينكر ماضيه فقد بنى نفسه من الصفر كما فعل الكثير من المغتربين، فهو الطفل الفقير اليتيم الذي ولد في قرية من قرى منطقة بني عواض في زمن الفقر والجوع والمرض والإمام في ثلاثينات القرن الماضي، وهو الطفل الذي استغرق الفقيه في كتابة لوح ختمه للقرآن دقيقتان بينما قضى ساعتين في تنميق لوح قريب له كان أوفر حظاً وأيسر حالاً منه. ومع أن حياته وانتقاله إلى الولايات المتحدة الأمريكية كانت رحلة حافلة بالمغامرة والمصاعب والتحديات، إلا أن الجزء الأكثر إثارة في حياته حدث بعد عودته إلى اليمن في بداية الستينات.

 

في فصل من فصول حكاية العم حسن انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية بمساعدة أحد أقاربه في نهاية الخمسينات وعاش في متطقة في شمال ولاية نيويورك اسمها سكنكتدي، هناك اشتغل بأعمال مختلفة وبدأ يجمع مفردات اللغة الانجليزية، التي ساعده تعليمه العربي-ولو كان محدوداً ربما في ترتيبها حتى أصبح قادراً على التفاهم و العمل بها.  بعد أن أخذ الجنسية الأمريكية عاد إلى اليمن ووجد فرصة في العمل مع الشركة الأمريكية التي كانت تعمل على إنشاء مشروع مياه تعز والذي قدمته حكومة كندي في ذلك الوقت للحكومة اليمنية كعربون صداقة جاء بعد الاعتراف السريع للولايات المتحدة الأمريكية بالجمهورية اليمنية.

 

كان العم حسن بجنسيته الأمريكية وبأصله اليمني ولغته العربية الشخص المناسب جداً ليصبح المسؤول الأول عن العمال في الشركة.  كان من الطبيعي أن يصبح هو وجه الشركة اليمني أمام العامة فهو المسؤول عن التوظيف وكل ما يتعلق بالترتيب للعمال وتصريف أمورهم.   كان العمل على المشروع جاري على مايرام، وكان الناس في تعز ممتنون للأمريكان ولإسهامهم في توفير المياه وتوصيلها إلى بيوتهم وتصريف المجاري فيما يعرف بذلك الوقت بالمدينة الأهم والمركزية حيث السفارات والهيئات الأجنبية.

 

مع تصاعد حدة الصراع بين الرئيس جمال عبدالناصر واسرائيل والحكومات الغربية، بدأ اليمنيون ينظرون بنقمة إلى الوجود الأمريكي في تعز، وبدأت أصوات القوميين والناس الذين أبدوا تعاطفاً مع مصر عبدالناصر بالارتفاع رافضة للوجود الأمريكي في تعز.  خرجت المظاهرات في تعز مطالبة برحيل الأمريكان الذين غادروا إثر تلك المظاهرات، وظهرت نبرة جديدة ناقمة ضد كل ماهو أمريكي في ذلك الوقت.  لم يشعر العم حسن حينها بأي خطر فقد كان يثق بأن الناس لن يضعونه في خانة انتقامهم، وسيتذكرون أنه يمني قبل كل شيء، وأنه كان يعمل في مشروع خيري لتوفير المياه لهم ولتصريف مجاريهم.

 

لم يكن المشهد يمنياً بحتاً، فقد كان الوجود المصري على جبهات القتال وفي الجهات الأمنية والاستخباراتية جزء من التدخل المصري في اليمن لمحاربة الملكية.  كان العم حسن أمريكياً بالنسبة لهم، وكانت تهمة التجسس لصالح الأمريكان مناسبة جداً له ومنطقية لهم في ذلك الوقت.

 

في إحدى الليالي جاءت قوات الاستخبارات المصرية واليمنية وأخذته من منزله بتهمة التجسس لصالح الأمريكان، وهي التهمة التي لم يعرفها إلا لاحقاً.  حاول المصريون أن يستجوبوا هذا الجاسوس الأمريكي لكنهم لم يجدوا إلا إنساناً بسيطاً، يحاول أن يبني نفسه ويوفر ما يستطيع لأسرته، كانوا مصرين على أن يصنعوا منه جاسوساً وهو مصر على أن يبقى كما هو الإنسان، المواطن، اليمني الأمريكي الجنسية الذي كان موظفاً عادياً.  حاول الهرب من جنسيته لكن ذلك لم يشفع له فظلوا يصرون على أنه أمريكي، وبدأو بممارسة التعذيب الجسدي له، فوضعوه في زنزانات ضيقة، واستخدموا الماء والكهرباء للإمعان في تعذيبه لكنه لم يكن ليعترف بما لم يكن فيه.   ظلت السفارة الأمريكية تحاول الوصول إليه لكن بدون فائدة وبعد عدة أشهر وصلت إليه السفارة وتمكن السفير الأمريكي من الضغط للإفراج عنه وبالفعل.  في أحد الأيام جاء خبر الإفراج عنه وهو في حالة من التعب والإنهاك والقهر والهزيمة وهو لا يدري ولا يصدق ما يحدث حوله.

 

انطلقت السيارة من تعز إلى صنعاء وهو بصحبة مسؤولين من السفارة الأمريكية، وهو في حالة من عدم التصديق ولا يدري مالذي يحصل ومالذي سيحصل.  بعد ساعات من السفر الشاق من تعز إلى صنعاء وهو يشعر بفرح الخلاص من سجانيه والخوف من مستقبله والطريق الذي يشقه الآن، وصل إلى مقر السفارة في صنعاء، حيث كان يقيم السفير أيضاً.

 

استقبله السفير وزوجته ورحبا به وأخذاه إلى مرقده حيث كان هناك بعض الثياب الجديدة، وتركاه ليرتاح  ثم تم استدعاءه للعشاء وهناك تناول العشاء معهم وعاد إلى غرفته لينام في سرير آمن كمواطن أمريكي بعد أن كان يقضي الساعات واقفاً في زنزانة ضيقة كجاسوس أمريكي.

 

في اليوم الثاني بدأ الترتيب لسفره إلى أمريكا، والعم حسن مشغول البال بوطنه، وبسمعته، وبتهمته، هل يأخذ الطريق السهل، وينجو بجلده كمواطن أمريكي ويعيش مع تهمة الجاسوس، الخائن لوطنه، أم يبقى ليواجه مجتمعه ومتهميه.  كان من الجنون أن يبقى، لكنه أيضاً لم يشعر بسهولة القرار ظل كابتاً لحيرته، وكلما لمس السفير والمسؤولين تردده طمنوه  بأنهم سيعملون على تسهيل أسرته وأولاده ويتم تعويضه عن خسارته وبيوته، خاصة أن بقاءه في اليمن أصبر خطراً بل ربما يكون انتحاراً، خاصة والمصريين في اليمن يبحثون عن كبش فداء أمريكي يتهمونه بالتجسس والعمالة.

 

بعد أيام كان العم حسن مع طاقم السفارة والسفير الأمريكي على أرض مطار صنعاء ينتظرون الطيارة التي ستقله بعيداً عن اليمن، وتأخذه إلى أرض آمنة.  وصلت الطائرة وبدأ الناس يتجهزون، وفي هذه اللحظة التفت العم حسن النهام إلى السفير الأمريكي ليخبره بأنه لن يسافر ولن يغادر.  صعق السفير الأمريكي الذي بذل جهوداً كبيرة لإنقاذه، لكنه أيضاً أدرك أن العم حسن كان يختار أن يواجه مصيره كيمني.

 

لم يكن هناك مجال لإثناء العم حسن عن عزمه للبقاء فقد استنفذوا كل طاقاتهم في الأيام التي سبقت موعد السفر، فالتفت إليه السفير ليقول له مرة أخرى، “إذا رفضت السفر فلن تكون مسؤوليتنا وأنهم سيعذبونك ويؤذونك” فأجاب العم حسن بأنه يفهم ذلك.

 

نظر إليه السفير الأمريكي وقال له:   حسن! هات الجواز الأمريكي

ناوله العم حسن الجواز الأمريكي، فأخذه السفير، وقال له مرة أخيرة من الآن انتهينا ولست مسؤوليتنا.

 

خلال لحظات وجد العم حسن نفسه بين أيدي الأمن والاستخبارات اليمنية التي لم تقدر اختياره وقراره وأودعته في سجونها لأكثر من عامين بإشراف ومتابعة رجال المخابرات المصريين حتى تم سحب القوات المصرية من اليمن وتم الإفراج عن كل المسجونين.

 

حكاية العم والسيد حسن النهام كما عرفناه هي حكاية إنسان ارتبط بالإرض وبجذوره أكثر من ارتباطه بأي شيء آخر، وفضل أن يواجه السجن والتعذيب حتى تثبت براءته على أن يهرب من هذا الوطن أو حتى يلعنه.   لم يتحدث العم حسن عن الوطن وعن الوطنية، الوطن والوطنية بالنسبة له بروتين في حمضه النووي لا يحتاج لأن يذكره، ولا يحتاج لأن يدافع عنه، الوطن والوطنية انتماء واعتزاز وهرباً من الخيانة حتى ولو كانت تهمة فارغة وبعيدة عن أي واقع.

 

بعد خروجه من السجن بقى العم حسن بدون جوازه الأمريك لأكثر من عشرين سنة، وبعدها استطاع استعادة الجنسية الأمريكية، وتسهيل دخول أولاده إلى أمريكا. توفي رحمه الله وغفر له في 2007 بعد أن قدم درساً عملياً في الوطنية والصبر والتحمل.

اترك رد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد سهوبه يتسلم جائزة حاكم ميشجن ل 2017

حصل محمد سهوبه مساء الثالث عشر من أكتوبر على جائزة حاكم ولاية ...