الرئيسية / تطوير الذات / الإبداع والحلول والتغيير مرتبطة بطريقة التفكير

الإبداع والحلول والتغيير مرتبطة بطريقة التفكير

الإبداع والحلول والتغيير مرتبطة بطريقة التفكير

د. شاكر الأشول

الشعوب تشكو بأن هناك فساداً في أروقة الحكم، وأن الحكام والمسؤولين ينهبون الشعبَ وثرواته، والحكومات تشكو من اقتصادها الضعيف، وقلة حيلتها، وفوضى مجتمعاتها وعجز الأخيرة عن الإبداع واقتناص الفرص أسوة بالأفراد في المجتمعات الغربية والشرقية، تسأل مذيعة تلفزيونية في إحدى القنوات العربية ضيفها فتقول: “لماذا لا يوجد عندنا مبدعون يصنعون تطبيقات تتحول إلى شركات تجارية كبرى أسوة بفيس بوك، وجوجل؟”، ويحاول الضيف أن يقول إن استثمار الدول العربية في البحث العلمي محدود جداً، وإن الوطن العربي يفتقر إلى منظومة متكاملة لدعم مثل ذلك الإبداع والإنتاج، طبعاً جواب الضيف صحيح إجمالاً، و99.9% من الأشخاص المهتمين بالابتكار والإبداع قد يقولون نفس الكلام.

حاولت المذيعة نفسها أن تتابع بسؤالها للوصول إلى أصل المشكلة “لكن لماذا؟”، فعاد الضيف يتحدث عن أن أسس البحث العلمي يجب أن تبدأ من التعليم العام في المدارس المتوسطة والثانوية.

أمور المجتمع العربي متشابكة، فمشكلات الإدارة والحكم ومشكلات الإنتاج وعراقيل الابتكار والابداع مرتبطة بأمر واحد، قد يكون هو أصل المشكلات كلها، وهو طريقة تفكيرنا، إذا كان تفكير غالبية مجتمعاتنا بديهياً وعاطفياً وهي من أدنى درجات التفكير التي ينتج عنها السلبية والتشاؤم والريبة والكبرياء المزيف والتعصب الذي نغذيه بثقافة الحفظ والتلقين لفكر معين، واتجاه معين في أي مادة كانت، سواء في العلوم أو التاريخ، أو في أي طرح وبسياط الخوف والترهيب من دراسة ومناقشة الأفكار الأخرى.

يقول ريتشارد بول: إن المفكرين ثلاثة؛ مفكر أناني، وهو الذي يكون مسار تفكيره بسيطاً متمركزاً حول أنانيته لتحقيق مصالحه الشخصية من خلال التلاعب بأفكار الآخرين ودغدغة عواطفهم، ومفكر غير ناقد لديه مهارات تفكير ضعيفة، تجعل من السهل على الآخرين تسييره والتلاعب بأفكاره وعواطفه، أما المفكر الناقد وهو النادر جداً في مجتمعاتنا، فهو المفكر المتسائل، وهو المنطقي التفكير غير المتحيز والمتنصل من الأحكام المسبقة لاعتماده على الحقائق والمعلومات لإصدار أحكام عادلة.

من هذه التعريفات فقط يتضح لنا حجم المأساة، فغالبية مجتمعنا بين مفكر أناني ومفكر غير ناقد، بين مفكر يتلاعب بعواطف الآخرين ويسيرهم، وبين مفكر يَسهُل التلاعب عليه وتسييره وتوجيهه، ولعل الأحداث التي مرت بها المنطقة شاهدة على ذلك.

لكننا لا نتحدث عن طريقة التفكير من حيث علاقتها بالأحداث والثورات والانقلابات والعمل السياسي فقط، بل أكبر من ذلك بكثير، فطريقة تفكيرنا تتحكم في كل شيء في حياتنا من قرارات العمل والإدارة لأعمالنا إلى شؤون حياتنا، وحتى قراراتنا الشخصية، بل وعلاقاتنا مع أقرب الناس من حولنا أيضاً.

كيف نفكر بالعالم من حولنا؟ وكيف نفكر بالأمور التي تهمنا؟ وكيف نفكر بالحقائق التي نسمعها؟ وكيف نقرأ ونتفاعل مع الأخبار في الجرائد ومواقع الإنترنت؟ وكيف نتعامل مع مشكلاتنا الأسرية والزوجية؟

طريقة تفكيرنا وبعدنا عن الأسلوب العاطفي والبديهي وقربنا من التفكير المنطقي العقلاني ليس موضوعاً خيالياً ولا حاجة ثانوية في حياتنا، بل حاجة أصيلة لمجتمعات أكثر تنظيماً ولحكومات أكثر مسؤولية، ولفكر أكثر إبداعاً ولاقتصاد يعكس قدرة أبنائه على التميز والابتكار، فلا إبداع ولا ابتكارات ولا اقتصاد معرفي بدون تفكير نقدي، وتفكير إبداعي وتفكير تفريقي (تفكير يقود إلى أجوبة ومتعددة، وحلول متعددة).

من أين يأتي التفكير التفريقي ونحن نلقن أبناءنا وطلابنا أن الأجوبة يجب أن تكون واحدة؟ ومن أين يأتي التفكير الإبداعي والتفكير الناقد ونحن نمنعهم من مجرد التساؤل؟ وكيف نشجع أبناءنا على التفكير التفريقي ونحن لا نوفر المعلومات كلها ونحرمهم من حرية الحصول على المعلومات ونجعل الخيار في النهاية بين عالم أبيض وعالم أسود؟ إذاً لا بد أن يبدأ التغيير الفكري في مدارسنا.

الدول العربية اليوم بين فريقين: فريق شحيح الموارد بالكاد يغطي مرتبات المدرسين وعاجز عن توفير بنية تحتية مناسبة لتعليم منافس يخرج جيلاً قادراً على العمل والإبداع في القرن الواحد والعشرين، وبين فريق من الدول التي تمتلك الموارد لكنها تواجه تحديات مختلفة، ومع ذلك فلديها الفرصة الأكبر في النجاح.

لكن التحدي العام الذي يواجه كل هذه الدول وهو الأساسي في عملية الإبداع والابتكار والإنتاج هو في عملية التعليم التي تفرض اتجاهاً واحداً يحرم الطالب من تنمية مهارات التفكير وتجعله في نهاية العملية التعليمية مفكراً أنانياً أو مفكراً غير ناقد، وفرداً يفتقد الدوافع والقدرة على الإنتاج وعلى الإبداع والابتكار.

طلابنا في حصص التاريخ يدرسون منهجاً ملقناً غير قابل للنقاش، يطرح فكرة واحدة وتاريخاً واحداً وأبطالاً لا يُقبل أن يلمسها أحد أو أن يناقش أمجادها طالب أو طالبة.

وفي حصص التربية الإسلامية تروى السيرة النبوية رواية واحدة على الرغم من تعدد الروايات في بعض أجزائها وأحداثها، وتلك أيضاً لا تقبل النقاش ولا يحصل الطالب على فرصة استعراض بقية الروايات والأفكار باعتبارها أفكاراً قد تكون ضالة، أو على الأقل لا تستحق التصديق أو الدراسة.

وهكذا الحال في الجزئيات الأخرى كالفقه والحديث وحتى في العلوم، فنظرية داروين تدرس على استحياء وبشكل سطحي جداً يجعل الطلاب يرفضونها بدون أن يتفكروا فيها وينتقدوها على الأقل نقداً علمياً، فيكون الطالب دائماً بين عالمين أبيض وأسود.

العالم الأبيض هو الموجود بين صفحات المناهج الدراسية ويدرس بدون نقاش، والعالم الأسود هو ما اختارت الجهات العليا وقررت ألا يكون بين تلك الصفحات.

في البلدان العربية الفقيرة وحتى تلك الأوفر حظاً تُصرف عشرات المليارات من الدولارات لدعم التعليم وتطويره وإصلاحه سنوياً لعلها تنتج جيلاً مبدعاً ومبتكراً يساهم في بناء اقتصاد معرفي.

يغيرون المناهج وإن كان التغيير سطحياً، ويتحدثون عن تعليم عصري مواكب لتحديات الزمان ويدربون المعلمين والمعلمات على أساليب التعليم الحديثة حتى وإن كانت فرصة التدريب تلك محدودة، ويطبعون الكتب الجديدة، ويعلمون اللغة الإنكليزية بالصفوف الابتدائية ويغيرون في أساليب الإدارة والتقييم، ومع أن كل هذه الخطوات تظل محدودة في كثير من الدول العربية وحتى الغنية منها، إلا أن المشكلة الأكبر في إحداث تغيير جذري في العملية التعليمية هي المحافظة على نمط التفكير القديم؛ ليظل مثلما هو الآن، ومثلما كان من قبل منمّياً فقط لفكر البديهة والعاطفة، ومشجعاً لفكر الأنانية وفكر التبعية غير النقدية.

لن تصلح مجتمعاتنا إدارياً واقتصادياً وفكرياً إلا بتغيير طريقة تفكيرنا من التفكير البديهي العاطفي البسيط الذي يعمي الكثير من أحكامنا المجتمعية ويؤثر سلباً حتى على قراراتنا وعلاقاتنا الشخصية إلى تفكير نقدي متفرق يدفعنا إلى طرح أسئلة البحث والتقصي، وتشجعنا على التصنيف والمقارنة، والتفكير بمنطقية وعقلانية تجعلنا نفكر في الآخر وفي رأي الآخر بعيداً عن الأحكام المسبقة؛ لنكون في النهاية أقرب إلى العدل والحقيقة، والتوازن في علاقاتنا والتميز والإبداع في إنتاجنا، ولن يتحقق ذلك إلا بتعليم مفتوح ومشجع على طرح الأفكار، ومناقشتها ودراستها بحرية بعيداً عن الرؤية التي تقسم العالم فقط إلى أبيض وأسود.

اترك رد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مراجعة الحسابات والرضا عن الذات

مراجعة الحسابات والرضا عن الذات

الدكتور شاكر الاشول - لن تجد الرضا إلا بتحقيق أهدافك أنت، أما العمل على تحقيق أهداف الآخرين فسيكون مجرد عمل وروتين مضنٍ ومتعب