الرئيسية / مقالات / أيوب الحمادي / حتى لا نطوبر كلنا إلى أن نصل إلى حوض المصطفى

حتى لا نطوبر كلنا إلى أن نصل إلى حوض المصطفى

د/ أيوب الحمادي

في منتصف القرن السابق انهارت مدن في بريطانيا العظمى والأسباب عديدة يمكن تلخيص أهمها في أزمة الفحم، استقلال المستعمرات عن بريطانيا العظمى، انتهاء مرحلة الاعمار بعد الحرب العالمية، انتهاء متطلبات الحرب وعدم الاحتياج لصناعة معدات الحرب. ذلك أدّى بالطبع الى إغلاق مصانع الحديد و أغلقت مصانع النسيج بسبب عدم التوريد لمواد الخام لها من المستعمرات ولا الاحتياج لما ينتج منها. و النتيجة الطبيعية هو انهيار مدن في بريطانيا، أي اقتصادها صار غير ملائم لتلك المرحلة. انهيار مدن يعني ارتفاع البطالة و هجرة الشباب للبحث عن مستقبل و قلة الحركة التجارية و انهيار الخدمات و البنية التحتية أو أقلها تهالكها. وحتى يمنع الانهيار أكثر كان لابد أن تتخذ الحكومة قرارات مهمة، منها إعطاء دعم للصناعة حتى تستمر و تحويل التوجه العام الصناعي إلى مرحلة بناء جديدة تلائم العصر و تجفف أسس المشاكل. هنا تم اعتماد ثلاثة محاور متواجدة و هم القوة العاملة المؤهلة، التي أصبحت عاطلة وشبكات المواصلات، التي تربط المدن ببعضها ووجود دعم حكومي للمشاريع يقلل من الأخطار أمام التنافس الخارجي.

و فعلا بدأت بريطانيا محاور إنتاجية مهمة في حقبة الستينات من القرن السابق مثل الصناعات الحديثة من بيو تكنولوجي والصناعات الكيميائية و الإلكترونيات و السيارات و غيرها، و لكن ذلك لم يكفي للقضاء على البطالة، التى ظهرت كنتيجة طبيعية وقتها. لذا كان الانفتاح مع الخارج وفتح صفحة جديدة وبالذات مع المستعمرات القديمة مهم جدا. ذلك جعل بريطانيا تشكل قطاع اقتصادي عالمي جديد لم يكون هناك من يمكن أن ينافسها لاسيما و الألمان لازالوا مكسحين بعد الحرب و نمور جنوب شرق آسيا لازالوا قطط . هذا القطاع الجديد هو قطاع الخدمات الداخلية و الخارجية. ذلك حول لندن إلى مركز العالم في كل شيء أي البنوك و شركات التأمين والطيران و العقارات و الاستثمار والسياسة و الإعلام و غير ذلك، و صارت بريطانيا من جديد دولة استعمارية بشكل آخر الكل يقصدها حتى من كان يقاتلها في عدن أو الهند و لا يريد انجليزي صار في حضنها أي صارت قبلة للكل و السبب الانفتاح و اندثار العنصرية فيها و تسهيلها للكل للاستثمار فيها. اليوم صار في لندن أكثر من ٧ مليون شخص، و من يزور بريطانيا لن يشاهد البيض فقط فيها، و إنما العرب على الافريقين على الهنود و غيرهم كبريطانيين و ليسوا أجانب و هي أي لندن لوحدها صارت مركز تسوق و خدمي عالمي. ليس ذلك فحسب وإنما صارت لندن مركز سياحي ينفق فيها السياح أكثر من ١٣,٧ مليار يورو على الفنادق والمحلات و المطاعم و المعالم السياحية كما ورد في دراسة شركة ماستر كرد البنكية، و كل سنة يرتفع هذا المبلغ أكثر من مليار و نصف، بقية الأرقام من السياحة يطول شرحها لاسيما ولندن يزورها مئات الآلاف فقط في نهاية الأسبوع. لندن لم تقول نحن فقط للبريطانيين وانما نحن للمال والأعمال والثقافة لسكان الكوكب. اليوم كل مدن العالم تنفتح مثل لندن و كل منها تقدم أفضل ماعندها من باريس إلى روما إلى برلين و غيرهن و التنافس يزداد في كل مدينة أي اختفت العنصرية والتقزم والمشاريع الصغيرة المغلقة. اليوم العالم ينفتح و يتوسع و يتطلع لاستقطاب المال والعقل والثقافة من أي بلد. يتجسد ذلك في توسع قطاع الخدمات ليس فقط لمجتمعاتهم وإنما خارج الحدود للجنس البشري.

هكذا يفكر ويخطط و يعمل غيرنا، و نحن في اليمن مر علينا أكثر من نصف قرن بعد خروج الاستعمار وانتهاء الإمامة من تجربة لتجربة لدرجة لم نقدر نرتب مدينة أو قطاع خدمات واحد صح. قطاع الخدمات ل ٢٩ مليون في اليمن كان يمكن يكون في زمن الحرب في مدينة مثل عدن كبوابة بين الماضي و المستقبل تستقطب الجميع، الخليج بمساهمتهم، و الخارج بدعمهم، ورجال المال بمالهم، و عقول اليمن المهاجرة و المغتربين و ثروتهم لتكون منارة للمدنية و التعايش بين أبناء اليمن تسحب اليمن الجديد بعد الحرب بشكل مختلف، تشكل الدولة بفكر منفتح آخر. نحن لا نقول نريدها مثل لندن لاسيما و مجتمعنا فيه من العمالة و الارتهان و المناطقية و التسلط و الجهل ما يكفي لنكون أكثر واقعية وإنما نقول نريد نتطلع إلى نفس الإتجاه الطبيعي مثل سنغافورة الشرق، التي جمعت الهنود و الصنيين و الماليزيين والاوروبيين وغيرهم في كيان وهدف واحد. اختلاف الأهداف لا تعرقل الاستقرار و التقدم وإنما تدمر المجتمع بتحويله إلى مستنقع لمشاريع صغيرة مضحكة لا تصلح لهذه الالفية، و لا تصنع إلا مدن منهارة و مجتمعات عالة. و لذا هناك مشاريع كبيرة تجمع ومشاريع صغيرة تقزم، فتنافسوا في الأولى وليس في الثانية أقلها حتى لا نطوبر كشعب يمني دون استثناء أمام سلات الغذاء و المساعدات إلى أن نصل إلى حوض المصطفى.

اترك رد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

العرب هم السر وراء استمرار الدولار

د/أيوب الحمادي لن أفصل كثيراً في الأمر و لكن سوف ابدأ من ...