من يمثل من؟

تتعالى الأصوات دائما في جاليتناً شاجبة متسائلة عن حق الأشخاص في تمثيل الجالية اليمنية الأمريكية أينما كانت. إن لكل شخص يرفع مثل هذا الاعتراض الحق في طرح التساؤل خاصة في ظل عدم وجود انتخابات تفرز الأشخاص الذي يعطيهم التصويت والاقتراع الحق في تمثيل الجالية. لكن حق التساؤل يسقط إذا لم يقم الشخص المعني بالإدعاء بتمثيل الجالية، وعبر الشخص عن نفسه، أو عن كيان يمثله، أو عن مجموعة يرتبط بها ويعبر عن رأيها. إن القيام بذلك لا يعني أن الشخص يمثل الجالية أو يعبر عن الجالية فهو يعبر عن رأيه الخاص، أو رأي الكيان الذي يرتبط به، ولكل فرد من أفراد الجالية الحق والقدرة على عمل المثل وإضافة صوت آخر وتعبير آخر، وأيجاد تمثيل آخر يعكس تعددية الآراء ووجهات النظر الموجودة. فلا أحد يستطيع أن يقول أنه يمثل جاليتنا بحجمها الكبير واختلاف ميولها وتعدد وجهات نظرها وانتمائها، وحتى انشغال الكثير من ابنائها.

إذا ماالذي يحدث؟

إذا حضر فلان اليمني فإنه يعكس الوجود اليمني شئنا أم أبينا. فإذا أردنا أن لا ينحصر تمثيلنا كيمنيين على شخص معين فما علينا إلا أن نكثف حضورنا في كل المجالس حتى لا يستحوذ فلان أو علان على هذه الصفة.

كما أن الواقع يفرض حقائق لا يمكن تجاهلها فـفلان لا يمثل اليمنيين لكنه مادام يعمل في ظل غياب الآخرين يكون فلان وعمله في الصورة وكثر الله خير من عمل، فإذا رغبنا أن يكون لدى الآخرين أكثر من صورة عنا فعلينا أن نسعى إلى ذلك بالعمل المركز والمنظم والذي دائماً يسعى إلى بناء وتطوير وتحسين ما يفعله الآخرون بطريقة أحدث وأفضل.

لقد ذهب الزمن الذي تحتاج فيه جاليتنا إلى وصاية أي فرد أو مجموعة فحاجات جاليتنا المختلفة والكبيرة لا يمكن أن يوفرها شخص، أو مجموعة أو حتى المجموعات والجمعيات المتواجدة الآن على الساحة. إذاً نحن جالية نحتاج إلى جهد كل شخص، ونحتاج حتى إلى وجود مجموعات أكثر من الموجودة تتعامل مع قضايا التعليم، والصحة، والتمثيل السياسي، والوضع الاقتصادي، والأوضاع القانونية…الخ.

لكن المنادة بتعددية العمل وحرية التمثيل تتعارض في أذهان البعض مع مبدأ وحدة الجالية، وهذا المفهوم يجب أن نعيد النظر فيه ويستدعى تفكراً ملياً. فالوحدة لا تعني أن نظل تحت كيان واحد عاجز عن التعامل مع احتياجاتنا، هنالك وحدة أفضل تتمثل في تعدد يدور في فلك هدف واحد وهو رفعة هذا الجالية على مختلف المستويات. ربما عندها فقط لن نسمع شكاوى حول من يمثل من وتتحول القضايا التي تؤرقنا إلى منابع المعاناة ووسائل مجابهتها بدلاً عن التعرض للأشخاص واستنفاذ الطاقات والوقت في تحطيم الآخرين والنيل منهم.

فلنغير بعض أسئلتنا وطريقة تعاملنا ولنرى ما إذا كانت النتيجة ستكون أكثر ايجابية. فبدلاً من أن نقول فلان لا يمثلني بما قال فلتقم بكتابة أو التعبير برأيك وبذلك تمنع الشخص من الأنفراد بالتمثيل بإيجابية وبدلاً من إضاعة الطاقة والوقت في المساءله. وإذا أردنا أن نحرم شخصاً من احتكار تمثيلنا فليكون حضورنا رداً على ذلك. وإذاً رأينا أن عملاً ما لا يمثلنا التمثيل المناسب فلنعمل أفضل ولكن بدون محاولة النيل من ما يبنيه الآخرون، إن التناقض الكبير يظهر عندما نحاول النيل من بعضنا بعضاً ونحاول أن نظهر للآخرين قوتنا كجالية ووحدتنا كجالية.

دكاكين الموت

تظل الأحداث المؤسفة وحدها مسؤولة عن إيقاظنا وإجبارنا على التوقف على واقع جاليتنا وتظل عمليات القتل التي يتعرض لها أبناء الجالية وراء استدراكنا لخطورة العمل في الدكاكين , ولكن طبيعة هذا الاستدراك مؤقتة فسرعان ما ننسى وسرعان ما نعود نفكر بنفس الطريقة , الطريقة التي لا يود أحد أن يستبدلها ,الطريقة التي جعلت من الدكاكين مصدراً من مصاردر الرزق المهمه وجعلت الدكاكين تمثل حلا لأغلب مشاكلنا .

قبل حوالي أسبوعين قتل اثنان من أبناء هذه الجالية في منطقة ممفيس في الجنوب , وذهبوا كما ذهب من سبقهم من أبناء الجالية ضحايا الإجرام , و اللصوصية التي نعرض أنفسنا لها عندما نختار أن تكون دكاكيننا في أخطر المناطق وأسوأها أمنا. لقد صاحب تزايد عدد أصحاب الدكاكين من أبناء هذه الجالية تزايد في عدد القتلى الذين ذهبوا ضحايا طلقات نارية ,غبية .عشوائية , مطلقها أغبى من أن يدرك فداحة عمله وكبر جرمه . لا يدرك مطلقها أن رصاصة ستتعدى في اختراقها الجثة الهامدة أمامه لتسافر آلاف الأميال دون أن تفقد من سرعتها وقوتها لتصل إلى قلوب أهل ضحيته , فتصيب الابن والأب والأم والزوجة وتخرق هذه الرصاصات قلوبهم لتتركها باكية دامية , تملؤها الحسرة والندامة ماداموا أحياءًا.

اليمنيون أكثر تعرضا للقتل

أبناء جاليتنا يتعرضون للقتل أكثر من أي جالية أخرى لأن أبناء الجالية اليمنية هم أكثر الناس مغامرة ومخاطره فنجد أن إخواننا يبحثون عن أسوأ المناطق لفتح الدكاكين فهي بالنسبة لهم لدكاكين المربحة, وحقيقة الأمر أنها هي الدكاكين التي يسهل العمل فيها ويسهل فيها ارتكاب المخالفات القانونية إلتى عادت ما تمر دون أن تكشفها الأجهزة الأمنية والقانونية الغافلة عن تلك المناطق التي تتميز بخطورتها.

وبالنهاية نجد أننا نتعرض للخطر والقتل على أيدي اللصوص والمجرمين ونرتكب في نفس الوقت جرائم تجعلنا أعضاء فاسدين في هذا المجتمع الذي نعيش فيه أغلب أيام حياتنا. هذا المجتمع الذي نحصد منه لقمة عيش لنا ولمن تركناهم وراءنا.

المستقبل في هارلم أو في ممفيس

يظل مستقبل اليمنى دكان في هارلم في نيويورك أو في ممفيس أو في ألاباما, وهكذا جيل وراء جيل لا نغير من أسلوب حياتنا ومصادر رزقنا الا المناطق التي نفتح فيها الدكاكين , ونظل كما نحن جيل اليوم , مثل جيل الأمس, الذي لا يبشر بتغير كبير لجيل الغد.

ما الذي تغير بنا ؟ آباؤنا جاءوا بالخمسينات والستينات , ما الذي تغير في تركيبه جاليتنا , في مستواها العلمي , في مركزها بين الجاليات الأخرى ؟ أين هم أبناء جاليتنا من هذا المجتمع ؟

أين هم أبناء جاليتنا مقارنة بأبناء الجاليات الأخرى ؟ هذه أسئلة يجب أن نواجه أنفسنا بها , إذا نحن أردنا أن نغير واقعنا .

ولعل السؤال المهم هو : هل نود أن تظل حياتنا بالأسلوب التي هي عليه الآن , هل نود أن تكون حياتنا هامشيه كما هي الآن ؟ نعيش حياتنا لا نخطط لها ولا نتعامل مع معطياتها الواقعية نغالط أنفسنا. ونكذب على أنفسنا , ونقنع أنفسنا أننا على الحق، وحتى أن دخلنا في أنسجة المجتمع الأمريكي دخلنا دخولاً محدوداً وكانت مشاركتنا هامشية باستثناء بعض المشاركات والتفاعلات.

الدولار و “مونيكا”

أصبحت أهداف الكثير منا في هذه الحياة بيت على شارع تعز وسياره “مونيكا ” حتى السيارة “مونيكا” قد عتى عليها الزمن بالنسبة لكثير منا. وأصبحنا نبحث عن ال 2008 وال 2009 بعد أن كنا مقتنعين بالحمير والدواب لا نبحث عند ركوبها عن موديلاتها وتواريخ ميلادها . ويبدو أنه سحر الدولار فبفضله أصبحنا قادرين على التمييز بين الموديلات وملاحقة الموضات . لكن تظل عقليتنا على ما هي عليه لم تتغير ولم تتأثر فتظل طريقة حياتنا مشابهة لما عرفه آباءنا ويظل تخطيطنا للمستقبل نقلا عن آباؤنا, و يصبح مستقبل أبنائنا رهن ذلك التخطيط القديم الذي تطغى عليه الأنانية . فيجبر الأب الابن على العمل بالدكان في حين أن من السهل على الابن أن يغير مستقبله , ومستقبل عائلته , بل ومستقبل جاليته و مجتمعه إذا هو اتخذ من التعليم طريقا لصنع مستقبله.

الدكاكين و الطريق السهل

لكننا دائما نبحث عن الطريق السهل ,عن الطريق المعبد , عن النزول , عن الهرولة أما الصعود فنتركه لغيرنا . نود أن يأتي كل شيء إلينا سهلا , لا نود أن نصعد التل لنرى الشمس , يؤلم أعيننا ذلك الضوء نحب العيش تحت سماء تلبدها الغيوم , لا نود أن نصعد التل لنرى ما وراءه .

ولأننا نبحث عن تلك الحياة السهلة لكسب رزقنا وتحقيق طموحاتنا التي تتولد عندنا بسبب المقامرة والمنافسة الغبية التي جعلتنا نتسابق لشراء السيارات الضخمة التي ما ان نشتريها حتى نضطر لأن نتدين قيمة “بترولها”. وان دل ذلك على شىء فانما يدل على سؤ التقدير وجهالة التخطيط

الإحتمال والإحترام

في العالم الشرقي إما أن تكون نسخة كما يودك الأخرون، تحرك رأسك من الأعلى إلى الأسفل توافق ولا تخالف تستخدم الأحرف الثلاثه التي ارتبطت بالسلام، والأدب والصداقة، والمودة(ن ع م ) وإما أن تكون عدواً، مخالفاً قد توصف بالخبث، والانتهازية وربما بالغباء، وفي أحسن الأحوال بالسذاجة وعدم المعرفة. مخالفتك للأفكار تصبح مخالفة للمعتقدات والأديان، واختلافك السياسي يحولك لعميل، غير وطني، وعدم موالاتك للحاكم والمسؤول تحولك إلى معارض غاضب لا يدري ما له وما عليه.

و في العالم الغربي سمات كثيره مشابهه للعالم الشرقي لكن ما يختلف هو أن في الغرب كلمة لا تدخل في قاموس الكلمات كثيراً في الشرق، كلمة تبدو جميلة، مسالمة، إنسانية لكنها في الحقيقة قاصرة، عاجزه لا ينمقها ويحفظها إلا غياب أفضل منها في العالم الشرقي. هذه الكلمة هي tolerance (تولارانس) وترجمتها هي \”احتمال.\”

فنسمع دائماً عن \”تولارانس\” (احتمال) فتوحي بايجابيات كثيره في المعنى، و ترددت كثيراً فأصبحت سحرية بمعناها توقف الكثير وتجبرهم على التأمل في أنفسهم سيما وهي تأتي في سياق احتمال وتحمل الآخرين.

والناس يفاخرون بأن يوصفوا بأنهم tolerant (تولارانت) للآخرين، ومعنى ذلك أن عندهم القدرة على تحمل الآخرين. لكن هل يكون هذا أقصى ما نوده ونتوقعه إنسانياً؟ مجرد أن يتحمل بعضنا، بعضا!

فإذا تقبلنا الآخرين على مضض، وتحملناهم وتحملنا وجودهم حولنا فإذا ماهو شعور الإنسان الداخلي وهو يبذل الجهد لتحمل الآخرين وتحمل اختلافاتهم، وأراْئهم وتصرفاتهم. لكن مالذي يحدث لو غيرنا tolerance (تولارانس:احتمال) إلى respect(رسبكت:أحترام)؟

لاشك من أن الإحترام درجة أرقى وربما تتطلب جهداً أكبر للوصول إليها، لكنها ربما الأنسب إنسانياً، والأصح إذا كانت المصداقية مطلوبة، والأجدى إذا كان للأدمية الجامعة نصيب من أن تطغى على طبقات الهوية والتمييز التي تخلق الفرقة والعصبيات، وتدفع إلى الكراهية والعنصرية التي تسمم المجتمعات.

لكن في قاموس مجتمعاتنا العربية تغيب حتى كلمة tolerance أو احتمال الغير، ونعمل بقانون من خالفنا ليس منا وينتج عن ذلك تشرذم وتفرقة تجعل جهودنا قاصرة، ونتائجنا متعثرة.

وربما يصعب على البعض التمييز بين كلمتي احتمال واحترام، ولذلك فلي أن أدرج هذا المثال محاولةً للتوضيح، إذا دخل الزبون وكان لون بشرته سوداء وعاملته معامله جيده كزبون وسميته \”عبد\” بما تحمل تلك الكلمة من دلالات فذلك نوع من الاحتمال، لكن إذا دخل الزبون نفسه وعاملته معامله جيده ووصفته \”بالأسود، أو الأفريقي كما تصف أبيض اللون بالأبيض، أو الاوربي\” فذلك تعبير عن احترام. لكن دعونا ايضاً نقول، أن مقياس الأحترام ليس الكلمات فهي فقط انعكاساً وتعبيراً لما يحمله الإنسان في نفسه إذا لم تكن زائفة. مصدر الأحترام هو قلب الإنسان الذي يبذل الواحد منا جهداً في تخليصه من الضغائن، والأحقاد والأحساد، والغضب حتى يكون صافياً، جاهز ليس لتقبل الأخرين فحسب بل لاحترامهم.

الاحترام الصادق يبني جسور الود والتعايش والتعاون التي نحتاجها في مستويات حياتنا المختلفة تدرجاً من الأسرية إلى المهنية والاجتماعية، وبدون احترام الآخرين تصبح علاقاتنا محدودة، وفرصنا في الانتاج والابداع والتعلم من الآخرين ضئيلة. كما نصبح عندها محصورين في تجمعات لا تختلف عنا كثيراً، لا تساهم في إثراء تجربتنا الإنسانية والفكرية في الحياة، وتحد من إنتاجنا، وتأثيرنا على المجتمعات من حولنا.

جراح فاطمه

جراح فاطمة

كان الأولاد في غرفتهم يلعبون والبنات على الرغم من صغر سنهن في المطبخ يغسلن الصحون وفجأة أرتفعت الأصوات من صالة الجلوس حيث كان الأب والأم. لم يفهم الأطفال سبب الاختلاف لكن الخوف أجبرهم على التوقف فتجمدوا في أماكنهم والثواني تمر عليهم كالساعات وهم يتمنون في أنفسهم أن يتوقف الصياح وأن يعود البيت إلى هدوئه فيعودوا إلى اللعب بأمان، فقد تكرر المشهد بالنسبة لهم وبدأوا يتعودون أكثر وأكثر على أصوات الصياح، ومشاهد الغضب، ومشاعر الخوف والحيرة والقلق والعجز. هدأت الأصوات وسمعوا صوت باب أحدي الغرف يغلق فهرعوا إلى صالة الجلوس ليعرفوا ما حدث وهناك أكتشفوا والدتهم جالسة وقد أحمر وجهها وهي حائرة لا تدري كيف تشرح وكيف توضح ما حصل لأطفالها، كيف لها أن تزرع الأمان في نفوسهم، وأن تعيد الطمأنينة إلى حياتهم بعد أن أصبحت هذه المشاهد المرعبة تتكرر في حياتها وحياتهم. حالة الأب وانزعاجه ترجع لوضعه بالدكان ومضايقات أخرى في حياته دفعته إلى اتخاذ قرار تسفيرهم إلى اليمن لكن الأم ترفض السفر وتفضل أن تبقى هي وأطفالها معه وأن يعيشوا معاً. لم تعجبها حياة اليمن لأطفالها، ولم تعد تقبل أن تعيش بعيداً عن زوجها. لكن هذا الخلاف لا يبرر بالنسبة لها الصياح وجو الخوف الذي اصبح يطغوا على منزلهم. بدأ الأب يصيح من داخل الغرفة مرة أخرى بأن السفر هو الأمر الوحيد الذي سوف يحدث وكلمته هي الكلمة التي ستمضي، “أنا الرجال في البيت والكلمة كلمتي” صاح محسن من الغرفة، فردت زوجته “على الله” كان ردها كافياً لأن يخرج محسن من غرفته مسرعاً نحوها وبحركة سريعة لم تحتسبها صفعها على وجهها، لكنها لم تكن صفعة يتيمة فأخذ يصفعها ثانية وثالثة وارتفعت يده اليسرى لتسدد لكمة وجدت طريقها إلى عين فاطمة اليمني. كانت أصوات ذعر الأطفال وبكائهم زاد من هول وفاجعة الموقف الذي انتهى مشهده الأول عندما دفع محسن زوجته فسقطت على الأرض لتصيب ركبتها اليسري. غادر محسن بيته بعد أن أفرغ غضبه و حوله إلى عنف موجه فانطلق الأطفال إلى أمهم وهم يبكون ويصيحون، يبحثون عن تفسير، عن أمان اليوم والغد، عن طمأنينة ما ذنبهم يفقدونها.

جلست الأم المضروبة، المهانة، المجروحة في جسدها وكرامتها بين أطفالها الذين سلموا الضرب لكنهم لم يسلموا الجرح ولا المهانة التي أصابتهم وهم يرون أمهم تتعرض للضرب. لم تكن هذه المرة الأولى التي تجد فاطمة نفسها في نفس المكان، لكن ضرب هذه المرة كان أكثر ألماً، ومهانتها أمام أطفالها كانت أكبر، والدم الذي بدأ بالجريان من أنفها كان أكثر غزارة. جراح ليس الأول ولن يكون الأخير في هذه العلاقة التي بدأت تتجه نحو منعطف الألم والخطر للجميع.

تدور الدنيا بها و لا تدري كيف تجمع فاطمة قدراتها للتعامل مع ما حدث للتو. ألم الجسد شديد وألم القلب أشد، وكل هذه الآلآم يلفها ألم النظر إلى أطفالها حولها ووجع الخوف من “كلام الناس” يعتصرها وهي الملقاة على الأرض جريحة، مهزومة، لا حول لها ولا قوة. تستغرق بالبكاء باستسلام وهي تشعر أنها إمرأة مكسورة الجناح، خياراتها محدودة في ظل خوفها على سمعة أطفالها وأسرتها ومخافتها من “كلام الناس.” تنزل الدموع لكنها لا تبدد من الخوف ذرة، ولا تغسل من عار مهانتها ولا تخفف من أوجاع جسدها وروحها.

أين بيت الأب في بلاد الغربة، وأين بيت الأخ، والعم، والخال، أين بيوت الأهل لتنطلق إليها فتجد فيها الأمان والحماية، وتسترد فيها بعض من كرامتها؟ أبوها في اليمن وأخوها بيته صغير لا يحتمل وأعمامها واخوالها لا يحبوا التدخل في حياتها. كلما ذهبت إليهم أقنعوها بالصبر والأصطبار لمصلحة أطفالها. يذكرونها أن زوجها طيب، لكنه يمر بحالات تجعله يضربها، ويوحون بأنها ربما كانت السبب وانها يجب أن تغير من طريقة تعاملها معه وأن ترضي وتستسلم لكل شيء يطلبه وأنه أدرى بمصلحتها ومصلحة الأسرة. إذاً لا منجا إلى الأهل، فإذا لم يكن الملجا إلى الأهل فإلى من يكون؟ أين شيخ القبيلة وأين الشيخ الإنسان الذي يمكن أن ينتصر لها ويرد لها حقها بدون أن تعرض زوجها لخطر السجن وتعرض أطفالها لمشاكل أكبر؟ لا شيخ في مجتمع الأغتراب، ولا شيخ بعد أن أصبح كل مغترب شيخ نفسه، وضاعة مهابة المشايخ والعقال.

هل من مسجد تلجأ له؟ هل من مُصلح يرفع عنها هذا الخوف ويعيد لها الشعور بالأمان، هل من زواج بعد الضرب المتكرر؟ هل من إنسان يوضح لزوجها أنه ما يرتكبه جريمة في حقها و حق أطفالها وحق المجتمع؟

هل تكون هي المحافظة على العادات والتقاليد وتتستر على ما يحدث في بيتها لتكون عرضة للألم وللجراح مرة بعد أخرى في مقابل أن يظل الضرب سراً والألم سراً والزوج حراً يدخل ويخرج وكأن شيئاً لم يكن؟
في مجتمعنا أحيانا نعتبر بعض القضايا شخصية وخاصة لدرجة تجعلنا نعتقد أن هذه القضايا لا تخصنا ولا تأثر بنا ولا تنتشر بيننا. قضية العنف المنزلي واحدة من تلك القضايا التي يجب علينا أن نتعامل معها كمجتمع. لا يمكننا أن نظل نلوم الضحية وكأن العنف المنزلي في هذه الحالة هو نتيجة لما يحدث في البيت وليس انعكاساً لمفاهيم المجتمع.

إذا سكوتنا عن العنف المنزلي وعجزنا عن التعامل معه يكون في النهاية تغاضي لا يقبل من النواحي ا لدينية، والإنسانية والاجتماعية.

إذا نحن كمجتمع علينا التعامل مع هذه المسألة باتخاذ عدد من الخطوات:

1) توعية الناس بالعنف المنزلي وأضراره وتبعاته على الأسرة والمجتمع

2) توعية الناس بالقوانين السارية التي تضبط وتتعامل مع العنف المنزلي كجريمة

3) تركيز أهتمام المساجد على قضايا الأسرة وإعطائها قدراً من الأهتمام لا يقل عن الأهتمام بقضايا الشباب لاتصال القضيتين

4) تكوين لجان لتنمية وحماية الأسرة في المساجد والمراكز الإسلامية للتدخل في القضايا والخلافات الأسرية للحد من وصولها إلى مستويات تدفع بالأسرة إلى التشتت وبرب الأسرة إلى السجن. (يلاحظ الآن نهاية دور المسجد بكتابة ورقة الزواج أو الطلاق، في حين أنه يمكن أن يكون للمسجد دوراً أكبر في حماية الأسر من قضايا الطلاق والعنف وغيرها)

5) عقد اللقاءات والندوات لدراسة هذه الظاهره في مجتمعنا وكيفية التعامل معها لحماية نسائنا وأطفالنا من الألم، واسرنا من التفكك، وإخواننا من السجون.

هذه بعض الأفكار ونتمنى أن يسلط الآخرين الضوء على هذه القضية وأن تطرح وجهات نظر وآراء تساعدنا للتعامل مع هذه القضية وأداء دورنا كمواطنين مسلمين يمنيين أمريكيين تتملكنا الغيرة على كل الأسر في وقت نحرص فيه على الإلتزام بالقوانين السائدة.

إذا نحن نود أن يكون تدخلنا لمنع الجريمة ومنع الفعل وليس الإستمرار في التستر على عنف تتعرض لها نساءنا وأطفالنا وهو الأمر الذي لا يرضاه أحد لأمه، أولبنته أو أخته.

في النهاية، فاطمة هو إسم يخفي أسماء كثيرة والقضية العنف المنزلي هي أكثر تعقيداً مما حاولنا طرحه عبر السطور أعلاه، لكنها بداية المحاولة لوضع هذه القضايا أمام أهل الحل والربط في مجتمعنا للتعامل معها من كل منبر، وفي كل مجمع.

فسفسة نجاح

مفهوم النجاح نسبي ومقاييسه مختلفة، فعند البعض مقياسه المال، وعند البعض الآخر العلم، وعند آخرين ربما الجاه أو السلطان. ومن معايير النجاح أيضاً عند البعض الزمن، فعندهم أن تحقق الإنجاز في عام هو أكثر نجاحاً من أن تحققه في عامين أو في ثلاثه أعوام، وأن تحقق نجاحاً في العشرينات ربما يكون أكثر تقديراً من أن تحققه في الثلاثينات أو الأربعينات أو على الأقل هكذا يعتقد الواحد منا ونحن نعيش اللحظه في سباق مع أنفسنا، ومع الزمن، ومع الآخرين، ننطلق بدافع أنفسنا تارة، ويدفعنا من حولنا تارة أخرى.

عندما عرقلت الظروف سامح عن مواصلة دراسته ربما حكم على نفسه بالفشل، وربما حكم عليه الآخرين أيضاً بالهزيمة. وصل عمره 23 عاماً ولم يكمل إلا عاماً من الدراسة الجامعية ولا يملك دكان ولا رصيد في البنك الذي يدافع عنه ويضعه في صفوف الناجحين في مجال الدكاكين أو في مجال العلم. حكاية سامح مشابهه لحكايات كثير من الشباب الذين يقفون في منتصف الطريق، تعرقلهم الظروف والخيارات التي تكون شخصية اختيارية أحياناً أو عائلية مفروضة في أحيان أخرى، لكنهم في النهاية يقفون في منتصف الطريق بتردد، لا يدرون في أي اتجاه ينطلقون. هل يكملون طريق العلم؟ أو يتجهون إلى العمل والتجارة؟ هل يبحثون عن الشهادة والمستقبل في طريق طويل، ربما شاق، وربما منهك، قد لا يفهمه الآخرين؟ أم هل يختصرون الطريق ويبحثوا عن المستقبل وجمع المال وهو الطريق الأسهل الذي ربما يكون الأريح لذهن الواحد منهم، والأكثر تفهماً من قبل الناس من حول المرء.

يبحث الشاب عن الطريق، ويبحث عن من يدلونه على الطريق ويؤيدونه على المضي فيه، يبحث عن من يشجعوه وفي الغالب لا يجد إلا الإحباط من ناحية مواصلة التعليم والتشجيع على سلوك ما يسلكه الآخرين كالعمل بالدكاكين أو التجارة وترك العلم. يبحث الشاب في أهله عن المؤيدين المشجعين المتفهمين الذين في الغالب ما يختفوا وراء كلمات مثل “ظروف ” وعبارات مثل “تأمين مستقبل الأسرة” كما عهدناها بالعمارات، والعرصات ،و “كون رجال”، “وساعد أبوك وإخوانك” وبدلاً من أن يلقى المرء كلمات التشجيع يلقى عبارات التأنيب والتذنيب ويجد نفسه وقد سلم أحلامه وطموحاته رافعاً أياها إلى رف المستقبل، وزمن “عندما تسمح الظروف” لكي يؤمن مستقبل الجميع من حوله ويظهرهو وتظهر الأسره بين الناس، ويكون رجال مثل إبن فلان.

كان سامح محظوظاً فلم تطلب منه أمه أن يرسل حق العرصة أو حق المقاول، ولا حق القات، ولم تطلب أن يكون مثل إبن فلان أو أن يعمل مثل فلان. عندما حادثها سامح بالتلفون وأخبرها بقراره بالعودة إلى الدراسة باحثاً عن التأييد، والتشجيع، ومباركة الأم ودعوتها وجد كل ذلك بكلماتها البسيطة:

“ذهبتُ وسجلت في الجامعة قررت أن أدرس فلسفة” قال سامح لأمه .

“فلسفة أو فسفسة أهم شيء أن تدرس” أجابت الأم.

كان جواب الأم كما كان يتمناه سامح، لم تكن تحتاج لتنميق كلماتها، وكيف يكون لها وهي التي تعلمت الأبجدية وتركيب الحروف في كُتاب القرية. لكن جوابها كان كالبرد على قلب سامح الذي استشعر رضا والدته، ومباركتها .

كانت مباركتها واضحة وغير مشروطة ربما لأنها عرفت أن مقياس النجاح لا يجب أن يرتبط بعمر الإنسان أو بالزمان، ولأنها أدركت أنه ليس مهماً ً أحياناً أن تحقق الإنجاز في عام أو في عدة أعوام وأن تصل إلى إنجاز قبل أي عمر معين، الأهم من ذلك كله هو أن تصل.

مفهوم النجاح في ذهن والد ة سامح هو أن تكمل المشوار مهما طال الزمان، أن تكون ماضي في طريقك الذي تستحقه ولك القدرة على المضي فيه، مفهوم النجاح هو أن تكون سعيداً فخوراً بخطواتك وكل ما تعمله من أجل نفسك ومن أجل الآخرين من حولك.

لأم سامح أن تفخر وأبنها يتخرج بعد عامين بشهادة دبلوم بامتياز عالي ويواصل دراسته وتحصيله لعلوم الفلسفة التي من المؤكد أنها لن تجعله من أثرياء أقرانه ولا من الذين يبارزون الآخرين بطول العمارات وفخامة السيارات، لكن في نظر أم سامح وفي نظر سامح نجاحه في أن يحقق ذاته ويحصل علمه ويكون سعيداً بحياة كريمة، عزيزة يختار فيها هو معايير ومقاييس النجاح.

فإذا قرأت هذه السطور فبمارك نجاحاتك، وخطواتك كما تقررها أنت بمعاييرك الشخصية، فمباركة تلك النجاحات مهما أعتبرتها صغيرها ومهما تجاهلها الآخرون. ولا تنسى وأنت تحصر نجاحاتك أن تذكر الآخرين بنجاحاتهم وانجازاتهم. وبهذه المناسبة نهنيء كل الخريجين الذين يحتفلون بنجاحاتهم الدراسية ونتمنى لهم الأستمرار في تحقيق النجاحات على كافة المستويات، ونخص بالذكر الأخ رشيد النزيلي الذي عاد وواصل دراسته ونجح في الحصول على درجة الماجستير في مجال الإدارة العامة، فمبارك له، ومبارك لنا نجاحه ونجاح كل أبنائنا، وبناتنا، وإخواننا وأخواتنا في المجالات المهنية التي تساهم في تعزيز مكانتنا كجالية يمنية أمريكية له دورها بين أوساط المجتمع الأمريكي.

زمن الفصحاء

في الزمن الغابر كانت الفصاحة واللباقة محصورة على المحظوظين من الأسر الحاكمة والعالمة أما الباقين فكان لهم ماأمكنهم التماسه من علوم القراءة وتمييز الحروف وتحفظ القرآن تحت جذوع الأشجار. لكن التجارب الدراسية تلك لم تمنح الكثير منهم حتى القدرة على فك الخط، ولذلك فعندما قامت الثورات اليمنية كان القضاء على الجهل أحد أهم أهدافها.

وعلى الرغم من وضع التعليم في اليمن إلا أننا يمكننا القول أن نسبة كبيرة من اليمنيين نالوا حظهم من التعليم، حتى أنه على الأقل استطاعت القرى الوصول إلى الإكتفاء الذاتي في عدد فقهائها وقرائها ولم تعد أي من القرى تحتاج أن تستورد فقيهاً لموتاً أو إماماً لجمعة. حتى بين أوساط المغتربين وبعد أن ظلت القراءة والكتابة حكراً على جيل أستأثر بالعلم والسياسة والخطابة أصبحت اليوم المجتمعات اليمنية خارج الوطن تزخر بالعالمين المتعلمين ممن أتقنوا فنون القراءة والخطابة وأصول كثير من العلوم الدينية والإنسانية. ولم تكن المدارس والجامعات وحدها مسؤولة عما تحقق فقد أسهم الإعلام الإذاعي والتلفزيوني خاصة في السنوات الأخيرة في تطوير مستوى الحوار وصقل مواهب المتحدثين وإضافة المفردات والتعابير الي كلمات الخطباء والمخزنين.

من نعم الله أن يكون الإنسان قادرعلى أن يعبر عن نفسه ونعمة أكبر عندما يستطيع التعبير عن آراء الآخرين، لكنه يتحمل مسئولية عندما يكون أمامه المجال لاستخدام علمه وفصاحته فلا يراعي فيه الدور الأيجابي الذي يمكن له أن يلعبه من خلال الكلمة الصادقة التي تجمع ولا تفرق، توحد ولا تفصل، وتزرع المودة والألفه لا العصبيات والنزاعات باختلاف أسبابها ومراجعها.

في زمن الفصاحة، كل فصيح مسئول أمام الله عن لسانه وكلامه ومواقفه وأمام ضميره عن أثر كلماته ودورها في التأثير على الناس. في زمن الفصحاء يختار كل فصيح أن يكون مع أهل الشرق أو أهل الغرب أو مع أهل العقل يختار ويعبر بمصداقية المحايد المؤمن الذي يتحمل مسؤولية علمه وكلمه وفعله.

في كل ساحاتنا اليوم، الخطباء والشعراء والمتحدثين كثر وهذه هي النعمة لكن النقمة أن ترى هذه الطاقات والمواهب تسخر لزرع الفرقة بين الناس وتغذية العصبيات، و افتعال الخلافات لتسخن مباريات الخطابة والسجال فيكون الناس أحزاباً وشيعاً متفرقة، فيكونوا هم ونكون نحن، ويكون من وافقنا معنا، ومن خالفنا ضدنا وليذهبوا إلى الجحيم حتى يتبعونا ويؤمنوا بكل ما نقول.

نستخدم كلمة فصيح ولعل القصد منها كل شخص له كلمة مسموعة في أي وسط ومجتمع كان فيه، فهو المتعلم أو الفقيه أو الإمام أو من نال من العلم حظاً فامتلك الموهبه والقدرة على إسماع الناس ومشاركتهم في ما علم وتعلم.

فصاحة الإنسان قد تكون خادعة فالفصاحة لا تعني صحة الموقف، وقوة الإقناع لا تقترن دوماً ببيان البرهان ولذلك فمسئولية الإنسان المستمع محاولة التمييز والتفكر في مايسمع بغض النظر عن درجة ارتفاع الصوت، أو حلاوة الكلمات وقدرتها على دغدغة المشاعر، فحديث القلوب والعواطف يحيد العقل ويعمي البصيرة أحياناً.

لكن في زمن الفصاحة نحتاج أكثر من الفصاحة فقد ذهب زمن المعلقات وأتى زمن العلم والمعلومات، ذهب زمن تقنين الكلمات وأتى زمن تحويل المفردات إلى اجتهادات عملية ونشاطات تحول طاقة المتعلم إلى جهد واقع، وعمل على الأرض يراه الناس ويلمسوا أثره. في زمن الفصحاء لم نعد بحاجة إلى فصحاء بل إلي كل من يدخر كلامه وطاقته ليحوله إلى علم أو فعل ينتفع به المجتمع من حوله.

في زمن الفصحاء، التحدي الحقيقي لا يكمن في إلقاء الخطابات، ولا في تحقيق الإنتصارات الخيالية في معارك يحسمها الغير،إنما يكمن في أعمال تجعل المجتمعات من حولنا أفضل حالاً مما وجدناها عليه

وجهة نظر في عقد مؤتمر المغتربين

لا بد لنا في البداية من الإشادة بالسيد وزير المغتربين أحمد مساعد حسين وطاقم الوزارة على قرارهم بفتح صدورهم واهتمامهم بتلقي المقترحات المتعلقة بمؤتمر المغتربين لضمان نجاحه. فنحن نعتبر ذلك خطوة أولى تؤكد على احترام المغترب، واحترام صوته، الأمر الذي أصبح يشجعنا إلى لمس مزيداً من هذا الاحترام الذي نوده أن ينعكس في برنامج المؤتمر، وأدبياته وتوصياته.

ليس من الصعب عقد مؤتمر فالعرب يعقدون في كل عام مائة مؤتمر ومؤتمر، الصعوبة والتحدي أن يجعل المرء من المؤتمر نقطة تحول وتغير في إدارة القرار وفي أثره على حياة الناس. تحقيق ذلك يأتي من جعل المؤتمرات فرصاً لطرح ومناقشة الأفكار العملية التي تتعامل مع احتياجات الإنسان وظروف الزمان والمكان بمصداقية وجدية. ولذلك فمؤتمر المغتربين اليمنيين اليوم يواجه هذا التحدي. هل يكون مؤتمراً كغيره من المؤتمرات، تعد له لجنة منبثقة من كل الوزارات، وتدفع في سبيل الإعداد إليه بدل الأجتماعات والمكافأت، ويسافر لأجله المسؤولون والمسؤولات لتفصى الحقائق والاستبيانات وفي النهاية لا يكون إلا فرصة للحصول على بدل الأجتماعات لموظفي الوزارة وفرصة للصور لمن حضره من المغتربين؟ لا يبدل في حياتهم ولا في أوضاعهم. نحن أمام مؤتمر يمكن له أن يكون ويمكن له أن لا يكون. نجاحه أمر نسبي، قد يتحقق لمجرد قيامه، ولكن ذلك أن كفى الموظف بالوزارة فهو ليس المقاس الذي يقيس به المغترب، ولا هو الأساس الذي ينبعث من الحس بالمسؤولية الإنسانية والوطنية تجاه المغترب وتجاه الوطن.

الإقتراح الأول: إعادة صياغة المادة 3 من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 245 لسنة 2009 بشأن اللائحة المنظمة لاعمال المغتربين.

رئاسة الوزراء أصدرت قراراً بعقد مؤتمر المغتربين، ويشمل هذا القرار أهداف واختصاصات المؤتمر، ومن يقرأ الأهداف والاختصاصات يلاحظ إنفصامهما عن بعضها البعض. فاختصاصات المؤتمر يجب أن تحقق أهدافه إلا أننا نلاحظ أن الأهداف في اتجاه واختصاصات ومهام المؤتمر في اتجاه آخر. وكأن الذين صاغوا هذا القرار استنسخوه من مصادر مختلفة ليركبوه مع بعضه البعض فيكون فكرة مشوهه لا تحقق غرضها ولا تلبي لا احتياجات المغتربين ولا أحتياجات الوطن الذي يحتاج المغتربين لاستمرار نموه ورخائه.

فمثلاُ تقول المادة (3) من القرار يهدف المؤتمر العام للمغتربين إلى : -

1- توحيد رؤى المغتربين والتعرف على إسهاماتهم وإنجازاتهم ومشاكلهم ووضع التوصيات التي تمكن الحكومة من تلبية احتياجاتهم والخروج برؤى واضحة وعملية لبلورة سياسة وطنية لتخطيط وتنظيم هجرة العمالة اليمنية والبحث عن فرص عمل جديدة في سوق العمل الخارجي.

بينما تحتوى المادة (4) على المسائل التي سيتولى المؤتمر العام النظر والبحث فيها. وبقراءة المادة (4) نجد أنه هناك انفصام بين أهداف المؤتمرواختصاصاته، وكأن الهدف قد كتب لمؤتمر آخر والاختصاصات لمؤتمر مختلف، وفي ذلك الانفصام إهانة للمغترب، لكنه يعكس تساهل اللجنة المختصة وتجاهل واضح لأبسط أسس تنظيم المؤتمرات وذلك ما يعكس سلبياً على صورة وزير المغتربين والحكومة اليمنية ممثلة برئيس الوزراء. ولذلك فمن الطبيعي أن يطالب كل مغترب بأعادة صياغة أهداف المؤتمر حتى تكون منسجمة مع الاختصاصات التي هي أقرب إلى الواقعية والأرتباط بحياة المغترب.

الأمر الذي لا زال غائباً هنا هو الرؤية الواضحة للمغترب والمهاجر اليمني؟ ما هي رؤية الوزارة؟ والأهم ما هي رؤية المغترب والمهاجر لوضعه؟ كيف يكون الحديث عن خطط واستراتيجيات في غياب الرؤية الواضحة لوضع ودور المغترب والمهاجر في البلدان المستضيفة وفي اليمن؟ وكيف يمكننا التمييز بين رؤيتنا للمغترب اليمني في الخليج مثلاً وللمواطن اليمني الأمريكي أو اليمني البريطاني الذي يملك حقوق المواطنة الكامله في بلده الجديد؟ إذا نحن أمام مؤتمر يفرض علينا أن يكون استكشافياً من ناحية أوضاع المغتربين والظروف الاقتصادية والسياسية التي تحيط بهم سواءًا كانوا في الشرق أو في الغرب، واستكشافياً من ناحية الدور الحقيقي والواقعي الذي يمكن أن تلعبه الوزارة في حياتهم سواءًا في اليمن أو في مواطن اغترابهم وهجرتهم.

لكن ومع ذلك فهذه أفكار نطرحها على اللجنة المنظمة حتى تضيف إلى ما يطرحه وما طرحه الآخرون.

الإقتراح الثاني: تخصيص يوم وطني للمغترب

أتقدم من خلال سطوري هذه بطرح فكرة المطالبة بيوم للمغترب وأن يكون ذلك من بين توصيات المؤتمر. في اليمن نحتفل بيوم العمال ويوم المعلم، ويوم الشجرة، وجاء اليوم الذي نطالب فيه بيوم المغترب. ولماذا لا؟ والمغترب داعم مؤسس للثورات اليمنية، وفي بناء مؤسسات الدولة عندما اتيحت له الفرصة لذلك من البنك المركزي، إلى شركة التبغ والكبريت الوطنية. ولماذا لا والاغتراب مقترن بتأريخنا، ولماذا لا والمغترب مثل ويمثل أهم مصادر الدخل القومي التي ساعدت اليمن على مر السنوات من اجتياز الأزمات، ومخالفة كل التوقعات الاقتصادية. لماذا لا وتوسع المدن والتوسع الاقتصادي والاعماري يعود الفضل لغالبيته للمغتربين. إذاً ألا يستحق المغترب يوماً يقف أمامه الشعب، معترفاً بالدور الثوري،والاقتصادي، والتنموي، والاجتماعي الذي يلعبه المغترب في حياة اليمن واليمنيين. ألا يحق للمغترب أن يطالب بيوم واحد في العام يقف أمامه الشعب معترفين بهذا الدور العظيم الذي يلعبه المغترب، ويلقى فيه المغترب الاحترام بدلاً من الاستهداف الذي يعايشه المغترب عند عودته إلى الوطن.

وليس ذلك المطلب الوحيد الذي أرفعه من خلال سطوري هذه:، فيمكن أن لوزارة المغتربين أن تكون أيجابية في عملها من خلال ما يلي:

اقتصادياً :
1) التنسيق مع جمعيات المغتربين لتشجيع تأسيس غرف تجارية مشتركة تساعد على بناء العلاقات وتعزيز النهوض الاقتصادي والاجتماعي بين أوساط المغتربين وفي اليمن.

2) تطوير البرامج المصرفية التي تستقطب أموال المغتربين وتشجع، وتسهل على إنشاء حسابات الإدخار، والتعاملات المصرفية الأخرى.
3) إنشاء برامج استثمارية وطنية تستقطب أموال المغتربين وتشجعهم على الاستثمار في المشاريع الإنتاجية والتنموية الوطنية. (مثل: شركة التبغ والكبريت الوطنية، وشركة المواصلات)

4) التنسيق مع الشركات الكبرى كشركات هائل سعيد أنعم لإنشاء مشاريع تمكن المغتربين من فرصة الاستثمار في المشاريع التي تعود بالنفع الأكبر على اليمن.

5) الوقوف إلى جانب المغتربين والدفاع عن حقوقهم وملكياتهم واستثماراتهم في حال الاعتداء عليها في اليمن.

لاسياسياً :
6)عدم تسييس التجمعات الاغترابية لأن ذلك يعني نشأت اتجاهات معاكسة ونشاطات تضر بمصالح المغتربين واليمن العليا.

7) إدراك أن إالمغتربين وطنيين ساهموا في الثورات ودعموها ودافعوا عنها وهم في غنى عن وكلاء الوحدة والوطن وكتاب التقارير الذين يشككون في وطنية المغتربين وولاءاتهم.

8) عدم ربط بين اختيار مسئولي الجاليات وولاءاتهم الحزبية لما لذلك من أثر على تشتيت وتمزيق الجاليات وهو ما عرفته الجالية خلال أكثر من ثلاثين عاماً منذ تأسيس أتحاد المغتربين وما تلته من جمعيات مرتبطة به وبأسس تكوينه.

ثقافياً :
9) الأهتمام بفتح المدارس وتدريس اللغة العربية بصورة منهجية تتلاءم مع احتياجات التجمعات اليمنية المختلفة والخاصة.

10) تشجيع الاعمال الثقافية والأدبية المتعلقة بالاغتراب والمغتربين عن طريق تشجيع الأدباء والشعراء من المغتربين وتوثيق تجاربهم و أعمالهم بالنشر الملائم.

11) إنشاء مركز متخصص تابع لجامعة صنعاء لدراسة ظاهر الهجرة والاغتراب دراسة أكاديمية واعتباره مرجعاً علمياً أساسياً لقرارات وتوصيات وزارة المغتربين المستقبلية.

12) زيادة وتنويع عدد البرامج التلفزيونية الموجهه للمغتربين والمهاجرين عبر القناة الفضائية اليمنية وعدم الاكتفاء “بنوح الطيور”.

13) توفير برامج ثقافية وسياحية تساعد المغتربين وأبناءهم على التعرف على وطنهم وتراثهم لتعزيز ارتباطهم بوطنهم وانتماءهم له مع توفير فرص تعلم اللغة العربية والتربية الإسلامية.

14) تشجيع المغتربين على تعليم أبنائهم للغة العربية وتقديم الجوائز التحفيزية لتعلم اللغة العربية وحفظ القرآن، خاصة في المجتمعات الأغترابية الغربية.

اجتماعياً :
15) تشجيع المغتربين على تكوين جمعيات اجتماعية وثقافية تعزز من وجودهم وتوطد أثرهم في المجتمعات المضيفة.

16) الاعتراف والتعامل مع كل الجمعيات اليمنية في المهجر لتعزيز الهوية الوطنية اليمنية، وتجنب تأصيل الحزبية وشق صفوف الجاليات على أسس الأنتماءات السياسية والولاءات الحزبية اليمنية.

17) ضرورة الفصل في كل القضايا العالقة في مناطق الاغتراب أو إحالتها للقضاء المحلي للبت فيها بالتنسيق مع القنصليات والسفارات اليمنية.

18) العمل على تطوير التجمعات الاغترابية اليمنية، والتشجيع على تبادل التجارب والأساليب لتطوير العمل لضمان رفع مستوى عمل المغتربين ومجتمعاتهم وتحسين مستوى معيشتهم تحقيقاً لمصالحهم ومصالح اليمن.

كما يمكن للوزارة أن يكون لها الدور الأكبر في الاستفادة من المغتربين لدعم التنمية الوطنية عن طريق:

1) التعريف بالتأريخ اليمني والثقافة اليمنية، واليمن السياحي عن طريق الندوات والمعارض بالتنسيق مع وزارة السياحة والقنصليات المتواجده محلياً.

2) دعوة العلماء والكفاءات المهاجرة اليمنية للمشاركة في المشاريع الوطنية وصياغة السياسات الوطنية التي تستفيد من خبراتهم في مواطن أعمالهم.

3) تبنى دعوة العلماء والكفاءات اليمنية المهاجرة والتنسيق لها للقيام بزيارات علمية، وعملية تستفيد منها المصالح والمؤسسات الوطنية داخل اليمن.

ولأن لكل مؤتمر محاور فبعض المحاور التي نقترح استكشافها ومناقشتها خلال المؤتمر هي:

- الموضوع الأول : تقييم الأوضاع – أستعراض الأوراق والنقاشات المتعلقة ب:

1) تقييم الأوضاع الاجتماعية والثقافية للمغتربين في الخليج

2) تقييم الأوضاع الاجتماعية والثقافية للمغتربين والمهاجرين في أفريقيا وأسيا

3) تقييم الأوضاع الاجتماعية والثقافية للمغتربين والمهاجرين في أوروبا وأمريكا الشمالية

4) دور الجمعيات اليمنية الاغترابية في تحسين أوضاع المغتربين والمهاجرين

5) المتغيرات الأقتصادية والسياسية وتأثيرها على المغتربين والمهاجرين اليمنيين)

الموضوع الثاني :دور المغترب اليمني في تنمية الوطن وأثره في أوطانه الثانية.
1) الدور الاقتصادي الذي يلعبه المغترب في تعزيز التنمية ودعم الاقتصاد المحلي.

2) معوقات استثمار المغتربين في القطاعات الانتاجية وسبل التغلب عليها

3) دور المغترب والمهاجر اليمني في بناء العلاقات الثنائية والتعريف المتبادل بالحضارات والثقافات مع بلدان الاغتراب والاستيطان. (برامج تبادل الخبرات والكفاءات، وجمعيات الصداقة الثنائية)

4) إظهار دور المغترب والمهاجر اليمني في أوطان هجرته واغترابه ومكافأة النماذج الناجحه لإظهار معالم النجاح اليمني في مختلف القطاعات بما في ذلك العلمية، والفنية، والثقافية بالإضافة إلى التجارية.

هذه بعض المقترحات التي تأتي نتيجة متابعة ومراجعة لعمل اتحاد المغتربين سابقاً ووزارة المغتربين حالياً وأثرهما على المجتمعات الاغترابية خاصة في شمال أمريكا، ولذلك فالمقترحات في غالبيتها تعكس هذه المرجعية. كل هذه مجرد أفكار تتطلب الإضافة أليها ومناقشتها حتى نستطيع الخروج بالصيغة الأمثل والبرنامج الأنفع لمعالجة أوضاع المغتربين بمصداقية، وواقعية تأخذ في الاعتبار الإمكانيات الحقيقية لليمن، ووزارة المغتربين والمتغيرات الدولية والظرفية التي يعايشها المغترب والمهاجر اليمني.

حكاية أمل

كانت أمل أكبر إخوتها وكانت تحظى بحب والديها الذي أغدقا عليها من كل شيء. وكانت بأخلاقها تجعل كل من يقابلها يحبها ويحترمها. كانت شديدة الحياء لكنها في نفس الوقت تحب مساعدة الآخرين والتأكد من راحة كل من حولها. في المدرسة كانت صديقاتها يلجأن إليها لمساعدتهن في الدروس أو في حل مشاكلهن الأسرية، وهي تعلمهن الصبر، واحترام الوالدين والإلتزام بأوامر الله وطاعته والبعد عن كل المعاصي. كانت أمل في الصف الثالث الثانوي وهي تستعد لاجتياز اختبارات نهاية العام لتحقق طموحها لتكون أول واحدة في الأسرة تواصل تعليمها الجامعي وتتخرج طبيبة تفتخر بها أسرتها ويفتخر بها المجتمع. بقي على الاختبارات شهر، لكن أمل لا تفارق أمها في المطبخ حتى تنتهي من كل أعمالها، فقد دربتها أمها منذ عمر مبكر فتعلمت الغسل والطبخ وعمل العصيد والسلتة وكل الأكلات اليمنية السهلة منها والصعبة.

كان ضيوفهم في ذلك اليوم من أولاد عمومة أبوها، وقد قدموا بهدايا كثيره على غير عادتهم، وجلبوا من القات ما يكفي لأهل البيت والجيران لكن أمل المشغوله باختباراتها لم تأبه لم يحصل. أكمل الضيوف الغداء وانتقلوا إلى الديوان، وجاء أبو أمل والضحكة ترتسم على وجهه وهو يسأل أمها “هل أخبرتيها” فقالت الأم “هذا الخبر عليك” قال المهم “إين ثلاجات الماء والمدايع والمنافل والمتافل والبواري…” شعرت أمل أن في الأمر شيئاً ما يتعلق بها، لكنها سارعت لتلبية طلب والدها فجهزت له كل ما طلب. وما إن خرج حتى سارعت لوالدتها تحاول أن تستخرج وتعرف منها ما يحدث “ايش فيه” قالت أمل لأمها “بصراحه، عيال عم أبوش جاءوا يخطبوش”، قالت الأم.

“يخطبوني لمن؟” قالت أمل

“لمحمد عبدالقادر، هو مغترب بأمريكا بايجي الصيف هذا يتزوج” قالت الأم

“ودراستي، ومستقبلي” سألت أمل

“مستقبل المرأة زوجها وعيالها”، أجابت الأم

“هذا كان من زمان، ذلحين ما مع المرأة إلا شهادتها” قالت أمل

“لودرستي كما ما درستي أخرتش للزواجه والمطبخ والعيال” قالت الأم

“بس يا أمي وأحلامي، وطموحاتي” سألت أمل وقد بدأ صوتها في الإنخفاض

“أحلامش وطموحاتش عند محمد عبدالقادر يا بنتي، قومي وتوكلي على الله” قالت الأم

دخل الأب عليهن والحوار لم يكتمل لكن أمل شعرت برغبة والديها وهي المؤدبة المطيعة التي لم تكن لتقف بوجهيهما لترفض إرادتهما.

قال لها الأب “يابنتي أنا جيت أعرض عليك الزواج من محمد عبدالقادر جاءوا يطلبوا يدك وقالوا أنك ستعيشي معززه مكرمة، بشقة لوحدك، وهم مرتاحين ومن أهلنا”

“والدراسة يا أبي” سألت أمل وكأنه السؤال الوحيد المهم بالنسبة لها.

“معك كفاية من الدراسة، واحنا بناتنا ما يروحين الجامعة، ولا يتخرجين منها، ولا يشتغلين مثل بنات الناس، القبائل ما يدرسوا البنات، أيش رأيك الآن”

“ليس لدي رأي، الرأي رأيك يا أبي” كان جواب أمل مريحاً للأب لكنه كان استسلام الضحية التي شعرت أن لا صوت لها ولا رأي. سلمت نفسها لسكين القدر ولم تسأل أي سؤال آخر، لا على نوع السكين، ولا على عمر وخبرة الجزار.

كانت مسألة الدراسة مسألة مرفوضة للأب الذي لم يرضى أن يكون أضحوكة بين عشيرته وقبيلته فيكون أول من سمح لبنته أن تذهب إلى الجامعة وأن تواصل دراستها فتخرج في يوم من الأيام إلى العمل فتكون عاملة أو مدرسة أو طبيبة، أو مهندسة أو ممرضة. ولذلك فكان الزواج أمراً وحلاً خلص الأب من بنته قبل أن تجتاز مرحلة الثانوية، وهو أيضاً يطلب مصلحة ابنته فاختار لها هذا الشاب المغترب الذي يملك أهله من العمارات والسيارات والدكاكين في أمريكا فضمن بذلك مستقبلها ومستقبل أولادها.

تزوجت أمل وحاولت أن تعيش حياة هادئة طبيعية على الرغم من القهر الذي شعرت به لفقدانها تعليمها، ذلك القهر الذي كان يتضاعف عندما ترى الفتيات الأخرى يواصلن تعليمهن ويتخرجن ويحققن النجاحات، لكنها كانت تحاول أن تتذكر نعمة صحتها وعافيتها ونعمة طفليها هاني وعصام. بدأت الحياة مع زوجها وأهله تتجه اتجاه آخر فقد بدأت مشاكلهم تكثر وبدأت قدرتها على الاحتمال تقل. بدأ زوجها يهددها أنه سيتزوج عليها وبدأت المشاكل تتفاقم وفي يوم من الأيام دخل عليها عمها ليخبرها أن المشاكل وصلت حداً لا يطاق وأن زوجها قد تزوج عليهاوأرسل لها ورقة الطلاق وأن عليها أن ترحل إلي بيت أبوها.

عادت أمل ومعها طفلين عودة المرأة المهانة الذليلة المطلقة تجر معها طفلين وتحمل في نفسها أسى على أيامها وندماً على قرارها وقرار أبيها في الزواج الذي غير مجرى حياتها وأودى بها إلى هذه اللحظه، لكنها عادت تحمل حريتها من حياة قهر وزواج لم يحتوى على مودة الزواج ولا أمان الاسرة.

وجدت أمل نفسها في بيت أبوها وهو بيت إن وجدت فيه غرفتها لم تجد فيه وسع العيش الذي ألفته كطفله وفتاه. اليوم عادت أمل ومعها طفلين لتضيف إلى مسؤولية والديها، وهنا أصبحت تشعر بثقلها وثقل أطفالها في عالم حتى لم تعد فيه مساهمتها في عمل البيت كافية لتوازن ما تصرفه الأسره وتتحمله من نفقاتها ونفقات طفليها. ظروف الأب ليست في أحسن حال، والأهل وبقية الأسرة لم يستطيعوا التدخل لإنصافها وأخذ حقها، وأسرة الزوج تريد تعذيبها بحرمانها من مصاريف الأطفال.

أين أبناء العمومة الذين جاءوا ليخطبوها في زمن غاب فيه الحياء، وزاد فيه الكبر والإستعلاء، وهنا وجدت أمل الأب الذي حرمها من الدراسة والعلم يشجعها على أن تبحث عن عمل يساعدهم على توفير صرفة البيت. نظرت إليه أمل، ورأت في أبوها القبيلي الذي حرمها من التعليم ولم يرى في بنته صورة العلم أو العمل اليوم يشجعها على أن تبحث عن عمل وتعمل وتوفر وتساعد الأسرة في المصاريف. عرفت أمل في دعوة أبيها طريق خلاصها من حياة بلا عائل، والتحرر من اتكالها على أسرتها وإخوتها فبحثت عن عمل وعادت من جديد إلى المدرسة لتنهي الثانوية العامة وتواصل الجامعة.

مرة السنون وأمل تعمل وتكافح وتدرس حتى تخرجت فأصبحت مدرسة وحصلت على مرتبها المحترم وعاشت مع أولادها هاني وعصام تربيهم توفر لهم كل احتياجاتهم بدون الا عتماد على شخص أخر دون الله، وقد صنعت من نفسها الإنسانة التي وفقت بين الحفاظ على كرامتها وحريتها، وتحقيق طموحها وتوفير حياة كريمة لأولادها. وتحولت أمل من الإنسانة التي ذلها المجتمع بالطلاق إلى إنسانة رفعها التعليم وأرجع لها كرامتها وعز أطفالها من حياة العوز والهيانة.

هذه تجربة إنسانه تجعلنا أمام اختيار التعليم لبناتنا ضماناً لمستقبلهن ولمستقبل أسرهن وأولادهن في ظل ظروف تجعل من الصعب الاعتماد الكلي على الذكورفقط لانجاح نمو الأسرة سواءًا في المجتمع اليمني أو الأمريكي

حكاية مطيع

أشتد الضرب على باب الغرفة فأفزع مطيع وزوجته الجديدة فقفـز بسرعة من سريره وهو يقول “من” “ماذا حصل” ومن خلف الباب جاء الجواب هادئاً “الساعة ثمان، قوم يابني” كان ذلك صوت الأم. “الساعة ثمان؟” فكر مطيع في نفسه، لم يمضي أسبوع على زواجه وأسبوعين على عودته من غربة وتعب عامين قضاها في الدكاكين وأمه تقول له الساعة ثمان؟ هل من شدة حب أمه له تود أن يستيقظ مبكراً مع ديك الحارة ويترك زوجته كي لا تتعبه في الغرفة، أم أنها توده أن يستيقظ فيوقظ زوجته كي تخرج لتعمل الإفطار ولا يهم أنها لا زالت عروسة في شهر عسلها. ليس هنالك مجال للتردد أو للتفكير فأجاب مطيع المطيع “حاضر يا أمي”. وقام وخرج من الغرفة سريعاً وهو يشعر بامتعاض زوجته داخل الغرفة وارتياح أمه في خارجها في نفس الوقت. قامت زوجته هي الأخرى وخرجت لتعمل الشاي والإفطاربينما نامت زوجة أخيه هارون. خرج والد مطيع من غرفته وهو يقول “سنذهب إلى زيارة أنسابك” فوافقه مطيع، وانطلقا معاً. مطيع يلتزم الطاعة بصمت، فهو لا يعصي لوالده أمرا.

من أمريكا يتصل مطيع بوالده كل أسبوع مرتين، ويرسل له كل مايحصل عليه من معاش فهو ولد مطيع جداً. عندما تسأله زوجته عن شيء يخبرها بأن تسأل أبيه وتستشير أمه، وإذا أصرت على طلبها قام هو بسؤال أبيه وأمه واستشارتهما فهو مطيع جداً. مطيع في منتصف الثلاثينات لكن حياته وإرادته بيد والديه لأنه مطيع، وهو لا يريد أن يرفض لهما طلباً أو أن ينظروا له بأنه ولد عاصي.

أصدقاء والده يسألونه في غربته إذا ما كان يرسل لأبوه فلوس، فيخبرهم بأنه يرسل لأبيه كل شيء فيزدادوا إعجاباً به، وحسداً لوالده على مطيع المطيع الذي لا يحرم والديه من شيء حتى من القرارات التي تسير وتقرر أيامه وخصوصياته، بل أن خصوصياته أصبحت خصوصيات والديه. فلا أسرار بينه وبين زوجته بل أن الأسرار بينه وبين والديه لأنه مطيع جداً.

أمه تحبه بجنون وأبوه مرتاح لطاعته وعدم سؤاله عن ما يحدث من حوله، وهو مطمئن لأنه مطيع ويتساهل حياته لأن والده يخطط وينفذ. أبوه وأمه قررا من سيتزوج، وقررا أيضاً متى يجب أن ينجب أطفال، ولما كانت طفلته الأولى بنت، قرروا أن ينجب مرة أخرى وبسرعة، ولما كان مولوده الثاني بنتاً قررا أن ينجب وبسرعة، ولما كان مولوده الثالث بنتاً قررا أن يقوم بتطليق زوجته، ومطيع لم يرفض لهم طلب، فأنجب، وأنجب، وأنجب و طلق.

ولما وجداه طليقاً ولديه ثلاث بنات، قررا أن يزوجاه فاختارا له فتاةًا شابه، فوافق بعد موافقتهما، وبعد خطبته بالفتاة الجديدة، قرر الأب والأم التوقيت المناسب، والسرير المناسب، والفراش المناسب، ولون الستائر المناسب لغرفة العريس المطيع. تزوج بقرار والديه، ويتنفس بقرار والديه، ويأكل بقرار والديه، ويخزن بقرار والديه، ويسافر بقرار والديه، ويعمل بقرار والديه، ويعمل عند من بقرار والديه، ويرسل فلوس بقرار والديه، ويدرس أطفاله بقرار والديه، ويشتري ثوباً لزوجته بقرار والديه، ويعطي مصروف زوجته بقرار والديه، ويسمح لها بزيارة أهلها بقرار والديه لأنه مطيع جداً.

مجرد التفكير “بلا” يعتبر عصيان، يجعل والدته تطلق عليه سيلاً من دعوات الهداية، وتدفع بوالده لإطلاق الشتائم ولذلك فهو يطيع بصمت لأن الطاعة تضمن له حياة سهله ربما تكون بسيطة، وبما تكون أليه، لكنها تجعل والديه يتحكمون في القيادة ويتحملون مسؤوليات قراراتهم التي يجد نفسه يدفع ثمنها الأكبر دائماً معتبراً اياه ضريبةً إضافية للطاعة التي يقدمها مطيع المطيع جداً

حكاية “كاتبه”

ولدت كاتبة وعاشت سنينها الأولى في أحدى القرى اليمنية، وحصلت على اسمها لمعزة جدتها عند أبيها وليس لرغبة أبيها في أن تكون قارئة أو كاتبة لا لحروف ولا لقرآن. كانت أسرتها كباقي الأسر اليمنية تشغل كل أفراد الأسره في الزراعة والرعي ولم يكن هنالك مجال أو فرصه لإرسال أحد من البنات إلى “المعلامه”. كان أخوها يذهب إلى “المعلامه” يتحفظ القرآن وهي تنطلق بالغنم فترعاها على سفوح الجبال المحيطة بقريتهم الصغيرة. لم يكن حالها فريداً فقد كانت كل الفتيات تشارك أسرها العمل، ما عدا بنات الشيخ والعاقل، وتاجر القرية، أما باقي البنات فيستيقظن مع صياح الديوك لينطلقن كالنمل أو النحل في كل اتجاه مع أمهاتهن وعماتهن وخالاتهن وجداتهن يصاحبنهن ويتجهن معهن إلى الوديان، وإلى الأصطبلات لحلب البقر، وجلب الماء، والعمل في الوديان.

صباح كاتبة مثل صباح أقرانها يبدأ بصياح ديك يحرك في جسمها نشاط الحياة فتستيقظ لتقودها خطواتها البطيئة إلى الحمام الأسمنتي الذي لم يحتوي في زمنها على حنفية أو مياه جارية. كان حوض الماء البارد ينتظر أصابعها الناعمة الصغيرة، وبدون تردد، وبسرعة الإنسانة التي تعودت على تناقضات أيامها وظروف حياتها تدخل يدها في الحوض الصغير، وترفع حبيبات الماء الباردة التي تلسع وجهها فيدخل البرد عن طريق مسام وجهها إلى كل جزء من جسمها. سمعتها أمها في الحمام فأطلقت صوتاً تدعوها فدفعهاذلك بالإسراع إلى أمها. كانت الساعة تقترب من السابعة وكانت الأم أوشكت من الإنتهاء من إعداد الإفطار الذي سيتبعه بالنسبة لكاتبة يوم حافل بملاحقة البقر، وجلب الحمير، ونقل اللبن، والمساعدة في حمل الماء من الوادي، والتخفيف من مشقة عمتها بالإنتباه على صغارها، وهكذا تقضي كاتبة أيامها، تعمل من حين تستيقظ وحتى يسقط جسمها تعباً مرهقاً بعد العشاء لتكررفي اليوم التالي نفس الدور بنفس النشاط. تكبر كاتبة وتكبر مسؤولياتها وتكثر انشغالاتها بالبيت حتى تكون الفتاة المراهقة التي لا تعرف المراهقة وليس عندها وقت لها، فأتى الخطاب طالبين يدها.

جاء إبن عمها المغترب في أمريكا وطلب يدها، فوافق أبوها وأخبرها وكان الأمر بالنسبة لها انتقال من بيتهم إلى بيت عمها يأتي معه أطفال وعمة وعم لرعايتهما فلم يكن لها رأي آخر، أو بالأصح لم يكن لها رأي. احتفلت بعرسها وانتقلت إلى بيت زوجها وهناك بدأت حياة جديدة وحكايات جديدة، وبدأت تتعلم ما يجب أن تقوله وما يجب أن لا تقوله مع عمتها وعمها وأهل زوجها. صبرت كاتبة على حياتها وما جلبته لها وتحملت في مقابل أن تعيش حياة هادئة تحاول فيها أن لا تسبب المشاكل لأهلها. وكافأها الله عندما قرر زوجها حملها معه إلى أمريكا ليبعدها كلياً عن تلك الحياة، وتلك التدخلات ويعطي لحياتها نوع من الاستقلالية والاستقرار.

وصلت إلى أمريكا لتعيش حياة هادئة مع زوجها تحاول معه أن يصنعا مستقبلاً لهما ولأطفالهما، بعد مضي خمس سنوات كان لها اربعة أطفال بدأت حياتها تدور حولهم، وحول صحتهم، وغذائهم وتعليمهم. صارت كل ثانية من ثواني يومها مشغولة بأولادها محمد وسامح وبناتها ليلى وابتسام، وزوجها علي. كان التعليم بالنسبة لها خلاص لأولادها وطريق لرفعتهم وشق مستقبلهم. كانت كاتبة التي جاءت إلى أمريكا وهي لا تكتب تجلس مع أولادها وبناتها وهم يتعلمون حروف الهجاء الإنجليزية فتتعلم معهم وتشعر بمتعة وهي تقرأ أولى الكلمات معهم، بدأ أولادها وبناتها يكبرون وهي تتعلم القراءة معهم حتى أجادتها فكانت لغتها التعليمية الأولى الإنجليزية وهي التي عاشت قرابة العشرين عام في جبال اليمن ولم تحفظ حرفاً أو كلمة.

كانت أمريكا بالنسبة لها عالماً حرر عقلها وأدميتها من قفل الوضع والظروف التي حرمتها من التعليم وسرقت منها طفولتها وهي تساعد أمها، وعمتها وأهلها في أعمال البيت والوادي. شعرت كاتبة بإنسانيتها وعظمة الله في نعمة عقلها التي بدأت تكتشف قدراته وهي تلتقط الحروف والمعلومات ووتتكلم وتكتب حتى ولو كان بشيء محدود هذه اللغة الجديدة. كانت كاتبة تتكلم الإنجليزية بطلاقة مع أولادها ومع الآخرين فقد مضى عليها أكثر من عشرين عاماً وهي في أمريكا. كان أكبر أولادها محمد قد وصل إلى المرحلة الجامعية وكان أخوته على الطريق بينهم سنوات بسيطة. شعرت كاتبة أن تعبها وكفاحها وصبرها مع زوجها سيؤدى نتيجته فأدخل ذلك فرحة لا توصف وطمأنينة كانت تعمل طوال السنين الماضية للحصول عليها. هذا أحد أحلامها يتحقق، ولدها محمد يدخل الجامعة وإخوته يتبعونه. أولادها اليوم لا يحتاجونها مثل الماضي، فهم كبار ويدبرون كثيراً من أمورهم، وهنا بدأت تشعر بالفراغ بوقتها.

ومع الفراغ بدأت تتذكر كاتبة نفسها التي نستها كل هذه السنوات ترعى أسرتها وتعمل على نجاح أبنائها. نظرت إلى وجهها في المرآة وبدأت تعد السنين الأربعين وأثناء ذلك بدأت تدرك أن حياتها من هذه اللحظة لا يجب أن تتوقف عند إعداد الغداء والعشاء بعد أن كبر أولادها الأربعة. كان تعلم الحروف والكلمات الإنجليزية والفصول التعليمية البسيطة يبعث بها الحياة، فأدركت أن التعليم سيأخذ بيدها إلى حياة جديدة مختلفة. بدأت كاتبة تنظر إلى المرآة وترى نفس المرأة بشهادة المعلمة تدرس في أحد الفصول، وبشهادة الممرضة وهي تلبس البالطو الأبيض تقدم الدواء لأحد المرضى وهنا جاء صوت زوجها “أين الغداء” ليعيدها إلى واقعها و ليذكرها بأكبر عقبة تقف في طريقها.

كان أكبر عقبة في حياتها هو زوجها فلم يعد هناك أبُ أو أخُ يمنعها من التعليم ولا أم تريدها أن تحلب البقرة أو تبحث عن الحمار. كيف تقول لزوجها أنها تحلم أن تتعلم، بل وأنها تحلم أيضاً أن تعمل، هل يعتبر كلامها هوساً أو هذياناً إذا قالت له فعلاً أنها تحلم أن تكون ممرضة.. هي تعرف زوجها جيداً وتعرف أنه سيعتبر أحلامها وحديثها عن التعليم ضرباً من الجنون. أعدت كاتبة الغداء لزوجها وكأن روحها في عالم وجسمها في عالم آخر، كانت حركات جسمها في المطبخ وتناول أدوات المطبخ روتينية لم تستدعى التفكير فذلك ما تفعله منذ أكثر من عشرين عام وخيالها سارح في قرارها بالتعليم، وهي تشعر بالفرحة من قرارها وبالخوف الشديد من رد فعل زوجها.

جلبت له الغداء وجلست تتظاهر بأنها تتغدى معه لكنها في حقيقة الأمر لم تكن تشعر بالجوع فقرارها بالعودة للدراسة أشبع روحها ونفسها، وأصبحت فقط تريد أن تطمئن إلى موافقة زوجها. من أين لها أن تبدأ، كان زوجها منهمكاً مشغولاً في الأرز والدجاج الذي وضع أمامه، كان هو أيضاً تعباً منهكاً من عناء وعمل يوم طويل، حمل فيه الأحمال،

الخفاف والثقال. أمام حيرتها وترددها وجدت نفسها تخبره أنها ستدرس لغة انجليزية. “لماذا الدراسة، لم تخلقي أمس، أولادك بالجامعة” قال لها. “أضيع وقت” قالت له. لم يكترث زوجها كثيراً للأمر لكنها كانت تعرف لو أخبرته بأنها تود الحصول على شهادة الثانوية والإلتحاق بالجامعة لاعتبر حلمها جنوناً رسمياً. كيف لأمرأة لم تتعلم كتابة اسمها بالعربية أن تتخرج من الثانوية وتدرس في جامعة أمريكية.

يعيش معها زوجها لأكثر من عشرين عاماً لكنه لم يأبه ولم يدرك يوماً قدراتها الحقيقية ومدى معرفتها بالأشياء التي تتجاوزه بعشرات المرات، ربما لعجزه عن معرفة الفرق، أو لإنكاره لتفوقها عليه. لكن دراستها أيضاً تعني تفوقاً واضحاً عليه، وتنقلها إلي مستوى ربما لن يرى نفسه فيه مناسباً لها، أو ربما يخاف أن يغيرها تعليمها، ومستواها فتصبح لا تطيق ما تطيقه الآن. إذا كاتبة تعرف زوجها وتعرفه أكثر مما هو يعرفها، تعرف أنها لو سردت لها حلمها لاستهبلها ولرفضه ورفض أمر دراستها، فأخبرته بأنها ستدرس لغة في إحدى المدراس، بينما التحقت في أحد المعاهد الخاصة التي توفر برنامج يمكن الشخص من الحصول على الثانوية والالتحاق بالجامعة بعد عامين من الدراسة.

وبدأت كاتبة تستيقظ كل صباح وتخرج بعد أن يخرج أولادها وزوجها وتتجه إلى المدرسة وهي تخطو خطواتها كالذي يتسلق قمة أيفرست، تعرف أنها مع كل خطوة تقترب من حلمها، وتشعر بخطواتها مع كل حصة دراسية وهي تلمس استفادتها وزيادة معرفتها ومعلوماتها. من حصة اللغة الإنجليزية التي طورت مفرداتها إلى حصة الكومبيوتر التي فكت أسرار هذا الجهازوفتحت نافذة العالم لها عبر شاشته لتستقى مزيداً من العلوم والمعرفة.

كانت تسرع في العودة إلى المنزل حتى تجهز الغداء لزوجها وحتى لا يشعر بأن شيئاً ما قد تغير في حياته، لكنها في نفس الوقت، كانت تشعر أن أشياءًا كثيرة قد تغيرت في حياتها.

كادت حياتها تتوقف مع وصول أولادها مراحل الثانوية والجامعة وتقتصر على إعداد الإفطار والغداء والعشاء لكنها الآن وجدت في التعليم حياة جديده وأهدافاً جديده زادت من نشاطها ورغبتها في الحياة ليس على الهامش بل من ضمن نسيج المجتمع كإنسانة مسلمة، منتجة، معتزة بهويتها ودينها، وأسرتها تخدم هذا المجتمع وتوظف لإجل خدمته كل طاقاتها، وقدراتها ومواهبها. كان كل يوم يمر تصارع فيه كاتبة كل الظروف التي ممكن أن تعرقل عودتها إلى البيت مبكرة، حتى أصبح القلق والخوف مصاحبا لها، ومع ذلك فقد كانت تلك المشاعر ثمناً لمتعة العلم والتعليم التي تشعر بها في كل يوم وفي كل حصة دراسية. الأيام تتوالي، يوم بعد الآخر وتحصيلها يزداد وتجد نفسها وقد أجتازت المرحلة الأولى بحصولها على شهادة تعادل الثانوية وفي ذلك اليوم لم تسعها الدنيا. لم تصدق هي حتى نفسها وهي تتسلم تلك الشهادة، كاتبة التي لم تقرأ ولم تكتب ولم تدخل معلامة ولا مدرسة في اليمن تقف اليوم لتتسلم شهادة تعادل الثانوية تفتح أمامها طريق إنهاء دراسة جامعية.

كاتبة اليوم تكمل سنتها الجامعية الأولى وبعد ثلاث سنوات تتخرج كممرضة وهي تبلغ من العمر أربعة وأربعين عاماً. تعليمها يفتح آفاق حياة جديدة لها ولأسرتها ولمجتمعها، وزوجها قد يفتقد فيها الإنسانة البسيطة التي أقتصرت حياتها على إعداد الطعام وترتيب حياته لكنه كسب إمرأة تساعده على تحمل مسئولياته، و تفيد المجتمع حولها بعلمها، وقدراتها. كاتبة اليوم تستيقظ، وتخطو خطواتها ليس لأجل أسرتها ومجتمعها فقط بل لأجل “كاتبه” أيضاً وهذا ما يجعل للحياة مذاق ومتعة مختلفة عن ذي قبل